لمَّا دفع بنو هاشم وبنو المطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعت قريش وكتبوا كتابًا تعاقدوا فيه ألاَّ يَنْكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب ولا يُنْكحوهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم.
وكان ذلك في سنة سبع من النبوة.
وعلَّقوا ذلك الكتاب في جوف الكعبة توكيدًا للأمر.
فلما فعلوا ذلك انحاز بنو هاشم، وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا عليه في شِعبه، وخرج منهم أبو لهب وظاهَرَ المشركين.
فأقاموا على ذلك ثلاث سنين وقطعوا الميرة والمادة عنهم، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغهم الجَهْد.
وكان هشام بن عمرو بن ربيعة يُدْخل إليهم أحمالَ طعام ويكتم ذلك.
ثم نُقِض حُكم الصحيفة المكتوبة، وفي سبب نقضه قولان:
أحدهما: أن الله تعالى أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على أمر صحيفتهم، وأن الأرَضة قد أكلت ما كان فيها من جَوْر وظلم، وبقي ما كان من ذِكر الله، فذكر ذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب، فقال أبو طالب: أحقٌّ ما تخبرني به يا بن أخي؟
قال: نعم والله يا عم.
فذكر ذلك أبو طالب لأخويه، وقال: والله ما كذَبني قط.
قالوا: فما ترى؟
قال: أرى أن تلبسوا أحسنَ ثيابكم وتخرجوا إلى قريش فنذكر لهم ذلك مِن قَبْل أن يَبْلغهم الخبر.
فخرجوا حتى دخلوا المسجد، فقال أبو طالب: إنا قد جئنا في أمر فأجيبوا فيه، قالوا: مرحبًا بكم وأهلًا.
قال: إن ابن أخي قد أخبرني ولم يَكْذبني قط أن الله تعالى سلَّط على صحيفتكم الأرَضةَ فلحست كلَّ ما كان فيها من جَوْر أو ظلم أو قطيعة رحم، وبقي فيها كلُّ ما ذُكر به الله تعالى، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعتُه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه إن شئتم.
قالوا: قد أنصفتنا.
فأرسلوا إلى الصحيفة، فلما فتحوها إذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسُقِط في أيدي القوم، ثم نُكِسوا على رؤوسهم، فقال أبو طالب: هل تبيَّن لكم أنكم أَوْلى بالظلم والقطيعة.