فتبعه مائة نفس، وخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان في بعض الطريق عمد حُبيش إلى رواحلهم، فنحرها وشقَّ ما كان معهم من مزادة وهرب، فجهد أكثمَ العطشُ، فمات وأوصى مَنْ معه باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهدهم أنه أسلم.
فأنزل فيه: {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الاَْرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا }
(النساء: 100)
الباب الحادي والعشرون
في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه بالخروج إلى أرض الحبشة
وقال: «إنَّ بِهَا مَلِكًا لا يُظْلَمُ النَّاسُ بِبلاَدِه، فَتَحَرَّزُوا عِنْدَه حَتَّى يَأتيكُم اللَّهُ بِفَرَجٍ مِنْه» .
فخرج جماعة واستخفى آخرون بإسلامهم.
والذين خرجوا إلى الحبشة كانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة.
وكان خروجهم في رجب من السنة الخامسة من حيث نُبِّىء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
وخرجت قريش في آثارهم ففاتوهم.
فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم وسمعوا: (تلك الغرانيق العُلَى) وإنما قالها بعض الشياطين لا أنها جرَتْ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سجد في السورة سجد المشركون معه، ورفع الوليد كفًّا من تراب إلى جبهته.
فبلغ ذلك أهلَ الحبشة، فقالوا: إذا كانوا قد آمنوا فلنرجع إلى عشائرنا.
فرجعوا، فلقيهم رَكب فسألوهم، فقالوا: ذكَر محمد آلهتكم فبايعوه، ثم عاد عن ذكرها فعادوا له بالشر.
فلم يدخل أحد منهم إلا بجِوارٍ إلا ابن مسعود، فإنه مكث قليلًا ثم رجع إلى أرض الحبشة.
فسَطَتْ بهم عشائرهم وآذوهم، فأذِن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج مرة أخرى، فخرجوا، وخرج معهم خَلْق كثير.