فهو هنا يقدّم معلوماتٍ ولذلك لان أسلوبه, في حين أنّه في الترجمة يسجّل موقفا يريد أن يظهره بتصنّع الأسلوب.
أمّا أهم النماذج الأدبية التي تظهر ميزات نثره الفني في الرحلة فهي تلك الرسائل التي تبادلها مع أنداده في تونس, ومنها الرسالة التي بعثها إلى صنوه الأديب أبي الفضل التجاني التي يقول فيها:"... فبالله يا ذا الفضائل، وربّ العقائل, انظر إلي بعين الرفق, وانظرني إلى زمن اليُسر في أداء هذا الحق, فقد أفْلستُ وأعسرتُ, ونصبت بديهتي ورويّتي وأكديت وأجبلت, ودع فكري ينزع قليلا , فقد تركته عليلا , وأنشقني من لدنك نسيما عليلا , وإنْ رضيت يا ذا المجد بدلا عن النقد بوافر الشكر والحمد, فجناني لا يعرف غيره, ولساني لا يسير إلا سيره, ولشدّ عليّ من اقتضاء ديْن الجواب ما إن لم أؤدّه عدلت عن الصواب, وهو إرضاء الضرّتين, والعدل في القسم بين الزوجتين, فقد نشزت الأولى عليّ لمّا رأت من حظوة الثانية لديّ, فقلت لها: أنت وإن كان لك سبق, فللداخلة عليك حقّ, وليس الأمر ببدع وأما في الباطن فقد عفا عنه عالم السرائر, وإن تماديتِ على النشوز فلأخطبنّ إليه ثالثة, فقالت: عليّ للوفاء يمين, ومثلي فيها لا يمين, وإني لا أخالها بعد الحلف ناكثة..." (40) .
وهكذا يسترسل في الحوار الذي يشخّص فيه الرسالتين, وكأنّهما ضرتان زُفّتا إليه, ويظهر ابن رُشيْد في هذه الرسالة متأثرا بأسلوب ابن العميد من التزام السجع ومراعاة الجناس, وميل إلى الإطناب والترادف, كما نلاحظ ظاهرة التشخيص في إبراز الأفكار والمعاني, واستعمال المصطلحات العلمية؛ وخصوصًا مصطلحات الفقه والحديث, ويعكس الحوار في تشخيص الرسالتين وكأنّهما امرأتان ضرّتان زُفَّتا إليه.