ويعكس النص المستوى العلمي الرفيع لابن رُشيْد, فإلى جانب ثراء معجمه اللغوي المتمثل في قدرته على اختيار اللفظة المناسبة لإكمال السجعات, تبدو ثقافته الفقهية التي استغلّها في إجراء الحوار المُتََخيّل بين الرسالتين الضرّتين, وبذلك كثرت المصطلحات الفقهية في رسالته؛ كالنشوز, والقسم, والحنث,..., وحرصَ على إظهار براعته الأدبية, لأن القدرة على الكتابة المتصنّعة من دلائل التفوّق في زمنه, حرص عليها كلّ العلماء على اختلاف علومهم ومذاهبهم.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنه رغم مستواه الأدبي الرفيع, لم يكن يتهافت على هذا اللون من الزخرفة اللفظية, ولم يقدم على جواب أبي الفضل التجاني بهذا الأسلوب الفنّي إلا استجابة لإلحاح الأصدقاء الذين طلبوا منه ذلك. ومن هنا فإن هذا الأسلوب المتحرر المرسل هو الغالب على الرحلة, لأنّ النماذج الفنيّة التي أوردناها لا تكاد تُذكر بالقياس إلى غيرها. فأسلوب الطبع هو الغالب على الرحلة, ولم يكن يلجأ إلى الصنعة إلا عندما كان يُحلّي شيخا من الشيوخ، أو ينوّه ببقعة مباركة, وفيما عدا ذلك فإنّ ابن رُشيْد ينطلق في سرد الوقائع على سجيّته دون أن يولي المحسّنات بأنواعها اهتماما يذكر.
الخاتمة:
ظهر من عرض هذه الرحلة أنّها لم تكن كغيرها من الرحلات في غايتها وطريقة أدائها؛ فإنّ صاحبها أرادها تعريفا برجال عصره وعلمائه, وذكرا لشيوخه ونظرائه, ولم يرد بها ما أراده الرحالة الآخرون الذين حرصوا على وصف البلدان وذكر عجائبها, فغايته علميّة خالصة, ليس للتسلية فيها نصيب, ولكنه مع ذلك نثر فيها معلومات كثيرة في الفقه, والحديث, واللغة, والأدب, والتاريخ, والجغرافية, وأورد فيها نصوصا شعرية ونثرية لا توجد في غيرها. صارت ذات فائدة كبيرة, ومن هنا كانت شهرتها, وكانت أهميتها في أدب الرحلات.
الوراقة:
أ. الحواشي
(1) كراتشكوفسكي, الأدب الجغرافي العربي1/ 142.