وتتفاوت عبارته في تقديم الشيوخ بين الطول والقصر, إذ كان يُقدّم بعضهم في جملٍ قليلة, في حين كان يُطيل في التعريف ببعضهم الآخر, ويطنب في ذلك, ويتأنّق ما وسعه في اختيار ألفاظه واستعمال أساليب البديع, ومن ذلك ترجمته للشيوخ, إذ يقول في ترجمة ابن حَبيش:"... وكان متفنّنا في العلوم, مُصنّفا فيما يعنّ من الفهوم, متقدّم القدم في صناعة البيان, متمكن اليد من ناصية الإبداع والإحسان, تَلِجُ دُرَرُ كلمه أصداف الآذان من غير استئذان, مزيد في دهره, أمير في نظمه ونثره, أما النظم فبيدُه عنانه, وأمّا النثر فإن مال إليه توكف له بنانه, مع تواضع زائد, على صلة مجده عائد..." (38) .
ويعود هذا التفاوت في طول الترجمة إلى مكانة صاحبها, وقربه منه, ومن مذهبه, إضافة إلى أنّ ابن رُشيْد كان يذكر الرجال من محفوظه, ومن غير العودة إلى كتب التراجم. فمن كان يطيل لقاءهم ويأخذ عنهم كان يطيل ترجمتهم, ومن مرّ به مرورا عابرا عرّف به ببضع كلمات.
ويبدو من خلال ما اقتطفناه من ترجمة ابن حَبيش حرصه الكبير على التزام السجع, واستعمال المحسّنات البديعية كالجناس والترادف, ومراعاة الوزن بين الكلمات والجمل لإحداث إيقاع موسيقيّ, وتناسب صوتي معيّن, وليُسبغ على المترجم له أهمية كبيرة من خلال فخامة الأسلوب في نظر أهل عصره.
بيْدَ أننا نجد ابن رُشيْد في بعض الأحيان يعتدل في استخدام المحسّنات؛ فيجيء أسلوبه أقرب إلى العفوية والطبع, وتتقبله الأذن بارتياح, ومن الأمثلة على ذلك وصفه لمنار الإسكندرية بقوله:"... ومن عجائب الإسكندرية منارها الذي يعجز عنه الواصف, ويحار فيه الراصف, وضخامته من داخله أكثر مما هي من خارجه, وهو عجائب المصنوعات وغرائب المرئيات؛ قاسَ أحدُ أصحابنا جانبه البحري مئة ونيفا على عشرين قدما , وذكر لي بعض الأصحاب أنّه أخذ ارتفاعه بالأسطرلاب فألفى القاعدة ستين قامة..." (39) .