ونلاحظ أنّ ابن رُشيْد اتّبع في الجزئين الخامس والسابع منهجا مختلفا إلى حد ما عن نهجه في بقيّة الأجزاء؛ إذ أولى الناحية الجغرافية اهتماما خاصا في الجزء الخامس, فوصف الطريق التي سلكها الركب منذ خروجه من الشام إلى الحجاز, ووصف البلدان التي مرّ بها كبُصرى وحوران وتبوك والحجر, وكذلك وصف البلدان التي قطعها بين المدينة ومكّة, أو الأماكن التي تتّصل بمناسك الحج, وأركانه.فقد قال في انطلاق الركب من دمشق إلى المدينة:"وكان سفرنا من ظاهر دمشق من الموضع المعروف بميدان الحصى عصر يوم الاثنين الحادي عشر من شوّال, وقد كنّا برزنا للسفر غدوة اليوم, فاعتاق الكِريُّ في بعض حوائجه إلى عشيّ اليوم, وعاينّا في ذلك اليوم عند خروج الناس للوداع ما يسيل الدموع, ويكاد يذهب بالقلب السليم, فكيف بالمصدوع, فبتنا تلك الليلة بالموضع المعروف بالقيساريّة على ضفة النهر, ورحلنا سحر اليوم الثاني عشر, ونزلنا منازل بالطريق سالكين إلى بُصرى وهي مدينة حوران, وضبط هذا الاسم بضمّ أوّله, وإسكان ثانيه, وفتح الراء المهملة... وافتُتحت بُصرى في خلافة أبي بكر - - رضي الله عنه - - لعام وأربعة أشهر مضت على خلافته, فوافيناها بعد صلاة الجمعة في اليوم الخامس عشر من شوّال, ورأينا بلدا مُحكم الأسوار قديم الآثار, أبواب دوره من منحوت الأحجار... فأقمنا هناك ليتجهّز الناس, ويستقبلوا الصحراء يومي السبت والأحد, وقد أخذت في الراحة والحمد لله..." (35) .
فمن الملاحظ أن ابن رُشيْد لا يكتفي بذكر مشاهداته فقط, بل يضيف إليها ثقافته التاريخية واللغوية, فضبط اسم المدينة, وذكر تاريخ فتحها وأحواله.