رفعت عينها اليسرى، دعكتها بأصابع وسخة، تمتمت بلهجة تلميذ مجتهد:
ـ تؤمر"ماء عيني"! والله كلها مثل الورود.
حدق الرجل الملتحي في الميزان مرتعبًا، غير مصدق، أحس بأن المرأة تخدعه، ضرب كفة الميزان النحاسية بعنف، فتساقط مابها، تكلم وهو يهز يدًا متوعدة:
ـ أتغشين يا...!!
تدافع الناس لسماعهم سباب الرجل، وتساءل بعضهم، بينما استغل الصبية هذا الشجار ليسرقوا جيوب الغافلين، احتقنت عروقه، وعيناه واعيتان لهول ما يشاهد، صرخ بها بعدما أزاح عباءتها عن قدمها اليسرى:
ـ أيتها اللصة! انظروا هذا الحبل الرفيع، يا ناس... شاهدوا آخر ابتكار للسرقة.
تدافعوا كأمواج نهر يجري بين ضفتين ضيقتين، تساءل أحدهم:
ـ كيف ذلك بالله عليك؟
ازداد وجهها حمرة، اكتست بملامح البراءة فجأة، وبدا حنكها بوشمه النجمي جميلًا، قال بنبرة احتجاجية:
ـ ربطت هذا الحبل بكفة الميزان أسفل الجهة التي توضع فيها الخضراوات، ونهايته الأخرى بإبهام قدمها، وقد غطته بعباءتها.
تصارعت كلمات المتسوقين في التسابق، بقذف المرأة بأشنع الأوصاف، لكنها استأنفت صراخها ببرود، وتلافيف وجهها السمين تتلبد فوقه غيوم الخديعة، تصيح:
ـ حمراء يا طماطة... حلوة يا طماطة...
الطعنة
تهيأت نفوس الناس لاستقبال شهر رمضان المبارك، كاستعداد الصحراء لاستقبال هطول الأمطار، تخثرت السماء بالغيوم، احتجبت الشمس في قمقمها، تسارعت خطا الناس في العودة إلى منازلهم، وصل أسماع المارة وهم يخترقون باب الدار، عويلها يرتفع طاعنًا رحم السماء أثناء ولادتها المطر. تساءل الناس:
ـ ماذا حصل؟
ضاع سؤالهم، إثر مشاهدتهم: رجلًا أسود البشرة، عمره نيف وخمسون، مسجى على الأرض الاسمنتية والدماء تسيل من عنقه المخروق بخنجر يماني مقبضه من عاج، صرخت العجوز منبهة مستغيثة:
ـ أمسكوه... أمسكوا بقاتل أبيه.... ي.... و ي ل ي
تقادحت الغيوم، إثر طعنها بصرخة المرأة المدوية، أمسكوا بالشاب ذي البشرة السوداء، عض شفته المتهدلة السفلى بمرارة، تأوه، وعيناه حمراوان تحدقان في عيني أمه العجوز، تساءل أحد الشيوخ:
ـ ماذا حصل؟
غامت عيناها بسحابة من الدموع، فأمطر لسانها بدل عيونها كلمات مؤلمة:
ـ لقد بعنا بعضًا من أغطيتنا الشتوية من أجل شراء: رز، طحين، بقوليات وسكر، استعدادًا لشهر الطاعة والغفران، أخذ زوجي المبلغ ليشتري المواد الغذائية، بعودته من السوق جلب لنا يا ويلي... يا ويلي..