فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 39

صوت القطار، والريح الهائجة تتصدى بعنف للقطار وللزمن معًا، فيسمع صليلها وكأنه يعيش بدوافع تنبع من إصرار يقاوم ساعة وأخرى يندفع نحو سكون الليل، سكون ذلك العالم الصعب الذي يهابه الصغار بالتحديد، وله طعم الشهد وحلاوته كحلاوة الطفولة وهي تبتسم للحياة بملء شدقيها، فسرقته من هذه اللحظات الممتعة طرقات أخرى يتذكرها الآن جيدًا. طرقات قوية ومندفعة يكاد باب الدار يتحطم من قوتها، فهرع باسل لفتح الباب وكأنه يعلم في دواخله بأن الطارق شخص يعرفه. فإذا بكبش أبيض ضخم يصارع الباب بقرنيه الكبيرين، فدخل إلى باحة المنزل وبدأ بالثغاء.

المدينة

الصراخ

حفاة، مجانين، بائسون، متسولون، يطلبون الصدقات من المارة في معبد الشمس. صراخهم يجثم فوق أكتاف الهواء، تجدهم أمام كل: ضريح، مرآب، مطعم، وبجانب بائعي السكائر يصرخون:

ـ لله يا سماسرة... لله يا سماسرة، وحدة شفيعكم يا سماسرة.

فتاة تحترف التسول، شعثاء الشعر، بعينين صفراوين حولاوين، تصرخ بدأب:

ـ من كروشكم المباركة تصدقوا بلقمة على جائعة... لله يا أصحاب الكروش المباركة... الله!

الليل خزانة حديدية كبيرة، فيها يدخر المتسولون البائسون، والحفاة الجائعون/ آهاتهم، أحزانهم، آلامهم، يعدونها كدنانير من ذهب، بعدها، يتضاحك المتسولون عندما يتذكرون الفتاة الحولاء وهي تصرخ في المارة:

ـ بارك الله بكروشكم الكريمة لقمة لمحتاجة؟!

خيط الغش

يتقدم زعيق الباعة ضجيج الناس المتسوقين، تهيأت أواني الباعة ذوات الحديد الصدئ، لاستقبال ولادة الدنانير وهي تخرج من أرحام جيوب المتبضعين، تسقط الدنانير في الأواني، وهي ما زالت تتنفس وجع عدها مرارًا، زعقت امرأة بوجه أحمر متورد، تروج لبضاعتها:

ـ حمراء يا طماطة... حمراء!

تخاطف من أمامها صبيان يركضان، وكل واحد منهما يمسك بيده أكياس النايلون، يتدافعان على زبون طلب شراء كيس واحد، ازداد احمرار وجه المرأة، وهي تتابع عراك الصبيين، هبَّت من مكان تفرجها إثر صراخ أحد الباعة بصوت خشن أنهكه التدخين:

ـ صديق العائلة... حلو يا أسود... يا أحلى صديق.

عيناها العسليتان، تتدافع منهما بروق الجشع، شاهدت رجلًا بلحية يقف أمامها، تغامزت عيناها طمعًا، هتفت بصوت مرحب:

ـ أهلًا ومائة أهلًا، الطماطة اليوم حمراء كخدود العروس، كم كيلو تريد؟

عز على الرجل أن يخذلها، قال بلهجة مدير مدرسة ابتدائية:

ـ أهلًا وسهلًا... كيلوان.. رجاءً أريدها بلون الدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت