ـ لماذا أراك مهمومًا، هذا الصباح وأنت كنعناع البراري؟
يضحك بحزن، ويقول للحاج ماضي:
ـ كلا لست نعناع براري، أنا نبات الصبير.
يبتسم الرجل الكهل ويخرج من دائرة همومه قائلًا:
ـ الجو ناعم وهاهي ذي الشمس دافئة وكأنها دماء طائر جريح.
يبادره عرفان بقوله:
ـ ياعم ماضي! أنا كنبات الصبير خلق ليستفيد منه الآخرون فتراه على الدوام أخضر،"وحيدًا"من أجل أن تقتات عليه الحيوانات، فأنا أعيش يا عماه لأنفع الآخرين. أما أحلامي فكلها محض ادعاء لا أكثر.
فيجيبه الرجل الكهل متسائلًا بمودة:
ـ ألا يكفيك فخرًا"كونك مفيدًا"للآخرين؟
يتنهد عرفان ليجيب الكهل بهدوء الحكماء، وبعنفوان الشباب:
ـ إن بذوري التي قد بذرتها في الأرض أينعت، وأصبحت سنابل، والسنابل أصبحت ملأى بمئات الحبوب والكل يقطف ما تزرع أنت.
الحاج ماضي يستمع بصدق، وما زال عرفان"غارقًا"في لجة همومه قائلًا:
ـ إن قلبي يتمزق كوني لا أهتم بنفسي... إنها حقيقة ما أحس، وكل ما أشعر به أنني يا عم هرم وقلبي أصبح هرمًا، و"كأنني طائر صغير قد قطع القارة الآسيوية طيرانًا"، فعند وصوله إلى القارة الإفريقية توقف عن الطيران فوجد نفسه"كهلًا"، وقد شاخ قلبه ولم يعد يقوى على الطيران.
الحاج ماضي يعقب:
ـ يابني أنت تعيش في حيرة فأجدك كل يوم تندم على كونك جزءًا"هامًا"لحياة من يحيطون بك.
يقاطعه عرفان متسائلًا و"الوقت هنا يقترب من تمام الساعة التاسعة صباحًا":
ـ كم عمرك يا عماه؟
أجابه: ـ ثلاثة وخمسين عامًا، لكن! لماذا تسأل؟
أجبني يا عماه رجاءً:
ـ أسعيد أنت في حياتك؟
يجيبه قائلًا:
ـ إني حقًا"سعيد"! وذلك لكوني مطمئن النفس، وراضٍ عما حققت حيث في كل مرة تتكرر سعادتي، وترتدي حلة جديدة، وفي النهاية أجد نفسي أعيش قرير العين يا بني.
يهمهم عرفان:
ـ هـ.... م هل حققت كل أحلامك يا عماه؟...
يجيبه:
ـ ليس كلها، ولكنني يا ولدي أصبحت في نهاية المطاف أمقت الأحلام، لأنها تشل الروح على الدوام، تنزف أحلامًا ليس بمقدورك وقف نزيفها وإذا بأحلامك تتراكم ـ تتراكم فتغرق أنت في لجة اليأس والكراهية اللتين تعيشهما أنت الآن.
يلومه عرفان:
ـ لقد جرحت قلبي يا عماه بكلامك... إن أحلامي أصبحت جزءًا من كياني، من حياتي كلها، لهذا تجدني بين لحظة و أخرى أتذكرها كما يتفقد الإنسان الوقت في ساعته اليدوية.