الوقت أخذ يتقدم بسرعة والساعة تتكتك في قلوب الجميع وهي تشير إلى الساعة التاسعة والنصف، والحاج ماضي عابس وكأنه زمن مركون في خانات الماضي، ويستطرد عرفان قائلًا:
ـ أصبحت أحلم، وأحلم، فكلما عشت حلمًا"جديدًا"، أجده وللأسف لا يتحقق فأعمل على ركنه"جانبًا"... حتى أصبح لي مكتبة أركن فيها أحلامي كل صباح كما تركن الكتب في المكتبة.
يبادره الكهل وسيماء الشيخوخة هي التي تتحدث:
ـ حين يصطدم الناس مع الواقع تجدهم يغدون كالعيدان اليابسة وسط حقل مليء بالزهور.
يقول له عرفان وكلماته غيمة محملة بالمطر:
ـ لقد جرحت قلبي ثانية فجعلتني كالأطفال الذين يعيشون في دنيا أعاجيبهم، وفي عالمهم السحري الذي يقوده السندباد، ويضيء الدرب لهم علاء الدين بمصباحه السحري.
سعد الحاج ماضي وقد لاح على ثنايا تجاعيد وجهه أثر ألم حبيس:
ـ إن الحياة تبدأ على الجانب الآخر لليأس. أليس كذلك!
تتلألأ في عيني عرفان أضواء المصنع، وصوت ماكنة صب القوالب يصدر مجلجلًا، وإذا بعرفان كالنسر أخذ بالتحليق في دنيا أعاجيبه السحرية، فهذه المرة انساق قسرًا إلى الماضي، حيث سحبته خيوط من نسيج الماضي، فجعلت هذا النسر يحلق في الأعالي ليعيش عالمًا جديدًا ألا وهو:
تذكر كل ماقد حل به، كل أحلامه تذكرها فسرعان ما هرب النسر، ودحر وجعه المزمن، فسيطرت عليه حالة أقوى من ترابط الزمن بعقارب الساعة الزاحفة على لوح أبيض يحمل أرقامًا تشير إلى الزمن المنقطع من أحلامنا تلك... فسعى محلقًا في الأعالي طالبًا الخلاص من نسيج الماضي رغم كل أضرحة الزمن الماضي.
كلب
ثمة كلاب تستريح تحت الشمس، جراء تلاعب بعضها بلطف، كلب أحمر ذو ذراع مقطوعة، جاثمًا يحاول التهام عظمة، عيناه حمراوان تدمعان جوعًا، سقط في محاولته قضم العظم، الكلاب تنظر إليه بحذر، نهض عاويًا / ثانية حاول قضمها/ سقط عاجزًا، وقف مجهدًا،/ ثالثة قضمها محمحمًا /سقط بعنف، ارتطم بوزه بالأرض، تركها يائسًا، توقف على بعد أمتار، عاد ثانية يتأمل العظمة، انقض عليها عاويًا قاضمًا بألم/ سقط بقوة/ تعثر بوزه بالتراب، ابتعد عنها وعيناه حمراوان دامعتان كمدًا.
رياح
حمله القطار الصاعد من الجنوب وبين جوانحه صدى رياح ضائعة، رياح يلوك صداها وحده، وكأنه يسمع حشرجات روحه تتأهب لقضاء فرصة من الراحة فوق خلجان تحاصرها مشاعر قد سقاها إنسان يحاول أن يشق حياته كينبوع يتدفق من بين الصخور.