ـ أوه.. لا يوجد هنالك معنى للذي نفعله، نحن في دوامة يا محبس بادره قائلًا:
ـ إنها القيود دائمًا.
قال برع:
-نعم فحزننا وتقاليدنا ومخاوفنا هي أساس حريتنا، والذي نفعله يجعلنا نعي وجودنا.
أجابه محبس بآهة عميقة:
ـ آه... أتمنى أن أملك جناحين قويين لأحلق بهما إلى عوالم جديدة ـ عوالم مجهولة ـ لأضيع فيها وإلى الأبد. فنحن...
قاطعته المرأة الطائر:
ـ فنحن كالدمى يا أحبائي.
تحسر محبس وأجاب:
ـ نعم دمى وتحركها خيوط خفية بيد القدر.
فتقول بيأس:
ـ كلامك هذا يلغي وجودنا. النوارس والبحر، بإمكانك أن تفتح كل الأقفال بمفاتيح التصميم لتلجَ بوابة الأمل إلى باحة السعادة.
فمنذ ليال لم تستطع كل النجوم البيضاء من أن تسحرني كوني قد أقفلت على نفسي الباب، ونسيت أين وضعت المفتاح؟
رد برع طوعًا:
ـ إننا آسفون كوننا لا نستطيع تحريرك من ازدواجيتك.
همست الرياح كأنها موسيقى عذبة لسترافنسكي، وليالينا تزدان بالأقمار، فترانا كطيور النوارس على الدوام نسافر كالخواطر في نداءات أنفسنا وهي تضاجع أسطر نوتات عزف الزمن فترفرف المرأة الطائر بجناحيها برشاقة لتقول لنا:
ـ رحلة ممتعة، وأتمنى لكما صيدًا وفيرًا.
لوحا بيديهما المتعبتين، ونهض محبس يباعد شباكه عن بعضها، ويرمي بها إلى البحر ـ هنا ـ استطاع الولوج إلى عالم حي، عالم يتنفس نسائم عذبة تمازجها أغانٍ قديمة كان يتغنى بها عشاق شارع الهوى ليبثوا فيها شجنهم المشتاق إلى:
(( مرن بنات الهوى بعكد الهوى مرن ) )
ضريح الأمس ـ ضريح اليوم
لقد بدأ عقرب الساعة بالاقتراب من السادسة، في هذا الوقت الباكر من الصباح كانت الشمس تشرق على المدينة التي يعمل فيها عرفان ميكانيكيًا. فنجده كل صباح يخاطب بداخله كائنات شفافة رقيقة هي أمانيه. فيضحك بداخله حزن ما زال نديًا، كالندى المتألم وهو يتوسد أوراق الأزهار، فأخذ يكلم نفسه من جديد:
ـ إنني لا أستطيع التخلي عن أحلامي الجميلة التي تعيش معي يوميًا، تعمل معي، تسير معي، وتأسى على ما قد لحق بي.
ويبدأ العمل بصخب، والكل متجهمون عابسون وكأنهم في طقوس آلية تمنعهم من الابتسام، فتجدهم في خشوع الزمن وهو يطوي الأيام والساعات وهنا ـ فوق مكائن صنع البلاستيك ـ على ماكنة صنع القوالب يعمل عرفان مع رجل كهل يدعى: ـ (( الحاج ماضي ) )يحيه قائلًا:
ـ صباحك جميل يا عرفان.
يحيه بمودة:
ـ صباحك أجمل يا عماه.
فيسأله الحاج ماضي، وهو كالبستاني يقلم الأغصان المتشرذمة.