نشر شراع مركبه، وفي دقائق أخذ بالابتعاد عن مدينته، خلال إبحارهما منحهما البحر مع كل ضربة من موجاته الأمان، مما حدابه ليقول لرفيق رحلته الصقار:
ـ السماء والبحر.
يضحك (( محبس ) )وكأن أصابع البحر تدغدغه، ليقول: متلذذًا:
ـ عزيزي (( برع ) )! هنالك العديد من الأمور ليست ملك أيدينا.
قال (( برع ) )وصوته كرتاج باب خشبي كبير:
ـ لماذا تعذب نفسك؟
على امتداد سواحل أنفسنا ـ نحن ـ لا نرى الظلام الذي بداخل كل واحد منا، فترتفع جدران أجسادنا متينة، قوية، وعالية، توحي لكل شخص بأنه حي بينما سماء عيونه تنبئان بالتعب والخذلان. أجابه (محبس) وكأنه عصا قوية حطمت الرتاج وجعلت الباب ينفتح على مصراعيه لهذا هربت كل الطيور السجينة إلى الشمس فقال:
ـ لأنني حر!
يبادره الصقار"مسحورا"ً بمنظر البحر:
ـ إنك تذكرني بالصقور فهي ترفض القيود دائمًا، مما تجعل داخلك إذ
يقاطعه محبس:
ـ إذن فأنت ضائع!
كلام محبس وضع"جبلًا"من الهم فوق صدر الصقار، فيقول:
ـ اطمئن يا محبس! فأنا كالصقور لا تفيدني سلاسل ولا حدود. يجيبه محبس:
ـ هذا يعني أنك...
تململ الصقار"منزعجًا"والنوارس بصراخها تجعل السماء كورقة النوتة الموسيقية ترقص على أنغامها أحلى الطيور. فقاطعه (( محبس ) )صارخًا، منبهًا، ومتعجبًا:
ـ انظر إلى سرب النوارس ـ أتشاهد ما أراه؟!
هز برع رأسه مؤكدًا ما لاحظه. ثم قال:
ـ يا إلهي! إنها (( نصف طائر ونصف امرأة ) )!!
الرياح تضرب الأشرعة بعنف فتمايلا مع الموج الطافح بالإصدار وتمزقت بداخلهم أحلام صنعت من ورق شفاف لسماعهم المرأة الطائر تغني بأعذب تغريدة سمعتها أذن بشر..
حط الطائر على مقدمة المركب وشرع هو الآخر بالإبحار صوب مرافئ الكلمات قائلًا:"على لسان نصف المرأة":
ـ حرراني من ازدواجيتي! فأنا منكودة الطالع.
عظيمة هي المفاجآت، لكن! في لحظات تجد البشر أسرى قيودهم الماضية، فأكتافهم ما زال الغبار يملؤها، وتسمع في صدورهم آهات فشلهم.
فقال الصقار بيأس:
ـ وكيف ذلك؟ ونحن مقيدون. فاندهش (( محبس ) )لكلام الصقار، وقال بانزعاج:
ـ متى ينتهي هذا الجنون؟
فصدرت إجابة بالنفي بحركة من رأس المرأة الطائر، وقالت:
ـ الحياة حلوة وأحلى مافيها جنوننا المستمر... فأضافت موضحة:
ـ إلى متى نبقى نصبغ حياتنا بألوان التشاؤم؟ فنعيش حياتنا كالملدوغين.
فيرد محبس بعدما أشعل سيكارته:
ـ إنه وجودنا.
رد برع: