فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 39

ـ الحياة كالبيضة عندما توضع فوق أحد كؤوس المائدة الوردية دون سلق تبقى عند رأس الكأس ترفض السقوط. كم مرة حاولت تحطيم الكأس لكي أسقط لكنني لم أستطع، ومع ذلك نحن عند قمة الكأس عند الدرك الأسفل مع الثمالة.

لا تتكلم، وكأنها أخذت كفايتها من الحب الخائب. فارتطمت بأحد الكؤوس وتكسرت قشرتها الخارجية وخرَّ مافيها من يأس وخيبة فوق مائدة الحلم الوردي. يتعاظم بداخلي سخط مستبد وفي نفس الوقت جبن رهيب حطم تماسكي وكسر كل كؤوس المائدة، رحت أصرخ طالبًا المساعدة من المرأة:

ـ لقد تحطمت كل كؤوس الخيبة وخرج فوق المائدة الأمل الوهم، ولم يبقَ فوق المائدة سوى علبة سعوطك الهندية، التي تزدان بزخارف سود كأجنحة غراب مداج.

أبصر في وجهها وقد تغلب عليه ألم سرمدي، قد يكون ألم عالمها ذي القشور المكسورة، ألم عاث صاحب الأقداح المحطمة، لتقول لي:

-إنك مسكين.

لا أقوى على الكلام وأظل تائهًا عن طريقي كالسكران يتخبط في وحل من المياه الآسنة، وعيناها تحدقان بحنان وعطف نحوي، وتجتزئ القول:

ـ يا ولدي كل شيء يتكرر ليعيد نفسه يوميًا، وإن صباحك لم يعد غير كؤوس فارغة، وسماءك ليس فيها ماضٍ يولد من نجوم، بل ماض يولد من مائدة وردية.

تصمت لبرهة ثم تستطرد بالقول:

ـ حياتك كتلك الكؤوس لها حاملوها ومائدتها، وبعدما يفرغ منها ترمي بأوساخها التي هي هنا خيباتنا.

هذه المرة ألمها السرمدي قد طغى على تجاعيد وجهها، وأقول مخففًا من وطأة الألم عن نفسها قائلًا:

-إنها الحياة.

تخرج من جيبها علبة سعوطها الفضية، وتقوم باستنشاق السعوط، وأنا أراقبها وكأن كلماتي قد عملت بداخلها عمل المهدئ في مريض يعاني سكرات الموت. تضحك برهةً وكان أنفها جميلًا رغم كبر سنها، وعيناها أصبحتا منذ لحظات أكثر وداعة وحنانًا يطوف فيهما كسفينة تجوب وتمخر عباب البحر برتابة الشيخوخة وهي تقدم على المرفأ الأخير لها. تقوم من جديد باستنشاق السعوط ليعتمر صدرها زاكمًا متأثرًا من السعوط، ليصدر عن ذلك فعل إرادي حر، تقول وهي تأخذ بيدي لتخلصني من خيبتي:

ـ هيا يا ولدي لنحطم كل الأقداح ونكسر تلك المائدة اللعينة ونحطم النافذة، الآن السفينة قد وصلت إلى الميناء الآمن يا ولدي.

نحن على الأرض واليوم هو يوم حزيراني شديد الحرارة، عندما حطمنا جميع الكؤوس والمائدة ذات الحلم الوردي وخرجنا من السفينة التي كانت قد عملت على شكل بار عند ضفة النهر.

الأيادي المتعبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت