المُنظَرِينَ {15} قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ {16} ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (الأعراف 17:12) .
وقول إبليس - لعنه الله -: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} أي أنه توعد بأن يجعلهم من الحاسدين.
قيل لما ركب نوح السفينة، وحمل فيها من كل زوجين اثنين، كما أمر، فرأى في السفينة شيخًا لم يعرفه، فقال له نوح:"ما أدخلك؟ قال: دخلت لأصيب قلوب أصحابك، فتكون قلوبهم معي، وأبدانهم معك، قال نوح:"اخرج منها يا عدو الله فإنك رجيم،"وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين"، فقال إبليس: خمس أهلك بهن الناس، وسأحدثك منهن بثلاث، ولا أحدثك بالثنتين، فأوحى الله إلى نوح أنه لا حاجة بك إلى الثلاث، مره يحدثك بالثنتين، قال: فهما أهلك للناس، وهما لا يكذبان، هما اللتان لا يخلفاني: الحسد، وبالحسد لعنت، وجعلت شيطانًا رجيمًا، والحرص، أتيح آدم الجنة كلها، فأصبت حاجتي منه بالحرص. (ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق 8/ 38) .
وكل ذي نعمة محسود قال أبو تمام الطائي:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ *** طويت أتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتعال النار في جزل الغضا *** ما كان يعرف طيب ريح العودِ
لولا التخوف للعواقب لم يزل *** للحاسد النعمى على المحسودِ
وللحسد أسباب كثيرة منها:
1)عدم الرضا والقناعة بما قسمه الله تعالى.
فالحسود عدو النعمة، غضبان على القدر. قال ابن مسعود رضي الله عنه: ألا لا تعادوا نعم الله، قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 1/ 1409.
فإن أول خطأ يقع فيه الحاسد هو: ردّه لقدر الله في خلق الله، وثاني ما يصيبه أنه قبل أن ينال المحسود بشرّ منه؛ فقلبه يحترق حقدًا. ولذلك قالوا: الحسد هو الذنب أو الجريمة التي تسبقها عقوبتها؛ لأن كل جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحسد، فقبل أن يرتكب الحاسد الحسد تناله العقوبة؛ لأن الحقد يحرق لبه وربما قال قائل: وما ذنب المحسود؟ .. ونقول: إن الله جعل في بعض خلقه داء يصيب الناس، والحسد يصيبهم في نعمهم وفي عافيتهم. وما ذنب المقتول