نداء أخوتي لأمهم في كل وقت كان يفجر في داخلي ألف شعور وشعور..، فأسرع إلى زاوية في أقصى المنزل..، وأغمض عيني بعد أن أتأكد من خلو المكان، وأردد:
أمي..
أمي!!
أظل أنادي خيالها البعيد حتى تغلبني دموعي، وتخف حدة مشاعري..
ثم أعود لحياتي بعدها.. وكأن شيئًا لم يكن!!
وحديث صويحباتي في المدرسة..
أمي قالت..
أمي فعلت..
أما أنا..
فلم يكن لي أم تقول أو تفعل..
حتى إذا ما اشتعلت نيران الغيرة البريئة في داخلي، رحت أجتر ذكريات قديمة عن ماضيَّ الجميل وأيامي السعيدة مع أمي الحبيبة..، وأسردها عليهن بتلهف.. لأهدي بذلك نفسي المضطربة، وأثبت لها أن هي أيضًا، تملك أمًا كالأخريات..
وكبرت..
وكبر حنيني معي..
لم تخف حدته.. أو تنطفئ شعلته..
أنظر إلى أترابي بأسً..
تلك..، أمها تناديها فتوجهها..، والأخرى تهمس والدتها في أذنها..
أما أنا..
فلا أم توجهني أو تهمس في أذني..
أعوام مريرة عشتها.. مضى العام فيها كألف عام..، ولم يكن نصيب أمي الحنون فيها سوى أيام قلائل..، لا أكاد أشبع فيها منها..
أيام قلائل..
كان يزفني إليها شوق جارف.. وفرحة غامرة.. ودقات قلبي الوله على طريق اللقاء تكاد تفتك به..
حتى إذا ما التقينا..
ومن نهر القرب استقينا..
قال الحرمان كفى..
وعاد لينتزعني من جديد.. بلا رحمة أو هوادة.. فأعود مشيعة بحزني ودموعي المكتومة.. أقضي ليالي قاسية.. تكاد تنهد لقسوتها روحي، ويسكت من وحشتها نبض فؤادي..
أيام قلائل..
هي نصيب من حملت وولدت!!
أيام قلائل..
هي نصيب من عانت وقاست..
أيام قلائل..
هي نصيب من رقص قلبها لفرحي..، وتفطرت روحها لحزني.. وقرح محاجرها الدمع لبعدي..
إيه يا أمي الحبيبة..
ليتني ظللت جنينًا أنعم بالقرب منك!.
غدًا..
غدًا تكون ليلتي..
ليلة بكت فيها الفتيات..
إما خوفًا..، أو خجلًا..، أو حزنًا على فراق الأهل، وتوديع منزل العائلة..
لكن أنا.. هل سأبكي؟!!
وإن بكيت..