وقد رأيت من خلال تجولى أن أوقاتًا كثيرة لدى بعض الدعاة يبذرونها، فيكثرون تبادل الزيارات العائلية مثلًا، فيصطحب الداعية زوجه إلى بيت أخ له، ثم آخر وآخر، في سلسلة لا تنتهى، وربما يبيت مع زوجه وأطفاله الليالى ذوات العدد في بيت أخيه، فيشغله. ورأيت إكثارًا من الولائم بأدنى مناسبة، وخروجًا جماعيًا للعوائل إلى الحدائق والبرارى بنوع إكثار وتكرر، وما ثم إلا أحاديث أبعد ما تكون عن العلم وقضايا الإسلام، بل عن الأولاد والزوجات والأسعار والسيارات، وهذا النمط قاتل للقابليات والطاقات، وهو ضد منهجية صناعة الحياة، وفيه هدر للمال والوقت، وغيرنا يدأب ويبنى نفسه ويكتال من العلوم، ولابد من وضع حد لهذه الأعرف الخاطئة، ويلزمها فدائى في كل مدينة يضرب عن حضور ولائم الآخرين ويتخلف عن بعض الرحلات ليقتدى به البقية، وسيتهمه إخوانه بقلة الذوق وربما بالبخل، ولكنه سيأطرهم على الحق أطرأً بذلك. وقد سألت بعض الدعاة من طلاب البعوث في أمريكا عن صنيع الطلاب اليابانيين الذين معهم، فقالوا: ربما يلبثون في مكتبة الجامعة إلى نصف الليل، وربما نام أحدهم وهو جالس علىكرسيه ويواصل الدراسة في اليوم الثانى من غير ذهاب للبيت، فعجبت لحرصهم وقلة حرص بعض الدعاة على الأوقات. وشفعت مرة لداعية أن يقبله الأستاذ فؤاد سزكين طالبًا بمعهده في فرانكفورت: معهد تاريخ العلوم الإسلامية، فاشترط الأستاذ سزكين أن يشتغل الطالب ست عشرة ساعة يوميًا، فرفض، ثم أرانى الأستاذ سزكين من بعد عددًا من الطلاب اليابانيين في معهده وقد انكبوا على المخطوطات العربية يدرسونها ويبعثونها إلى الحياة وقد رضوا بهذا الشرط، فتأمل .
ولست بالذى يدعو إلى فرط الجد الذى لا راحة معه، بل أرى التمتع بالمباحات والاصطياف والسياحة والراحة، وأفعل ذلك، ولكنى لا أرى الإسراف في ذلك كما يسرف إخوانى.