الصفحة 14 من 31

العجيبِ في الصنعة، مما ذلَّله اللّه تعالى لمناقيرها وأكُفِّها، وكيف فَتَحَ لها من باب المعرفةِ على قدر ما هَيَّأَ لها من الآلة، وكيفَ أَعطَى كثيرًا مِنها مِنَ الحسِّ اللطيفِ، والصنْعةِ البديعة، من غير تأديبٍ وتثقيف، ومن غير تقويمٍ وتلقين، ومن غير تدريج وتمرين، فبَلَغَتْ بِعَفوها وبمقدار قوى فِطرتها، من البَديهةِ والارتجال، ومن الابتداءِ والاقتضاب، ما لا يَقْدرُ عليه حُذّاقُ رجالِ الرأي، وفلاسفةُ علماءِ البشر، بِيَدٍ ولا آلة، بل لا يبلغ ذلك من الناسِ أكملُهُمْ خصالا وأَتمُّهُمْ خلالًا، لا مِنْ جهة الاقتضاب والارتجال ولا من جِهة التعسُّف والاقتدار، ولا من جهة التقدُّم فيه، والتأنِّي فيه، والتأتِّي له، والترتيبِ لمقدِّماته، وتمكين الأسباب المُعِينةِ عليه. الحيوان , للجاحظ ص 16.

وهذا ما دعا العلامة أبو بكر محمد بن خلف الشهير بابن المزربان المحولي المتوفي سنة 409 هـ أن يؤلف كتابا جميلا سماه"فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"وذكر فيها من الحكايات والأخبار ما تدل على أن هذا الحيوان في تصرفاته قد يفوق كثيرا من بني الإنسان , ومن هذه الأخبار ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قتيلا، فقال صلى الله عليه وسلم:"ما شأنه"؟ قالوا: إنه وثب على غنم بني زهرة، فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال صلى الله عليه وسلم:"قتل نفسه، وأضاع ديته، وعصى ربه، وخان أخاه وكان الكلب خيرًا منه". فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب , ابن المزربان ص 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت