أفضى اختلاف المشارب وتباين الآراء إلى إذكاء النقاش وإثراء الساحة الثقافية العربية ، وهذا الغليان الفكري إن كان أفضى بشكل مباشر أو غير مباشر إلى التحرر من السيطرة الاستعمارية فإنه لم يتوقف بعد قيام الحكومات الوطنية العربية بل استمر على نفس الوتيرة .
إلا أن جل الحكومات العربية ضاقت به ذرعا وعملت أحيانا على إخماده وتحجيمه عن طريق قمع وترهيب الطبقة المثقفة أحيانا وترغيبها وتدجينها أحيانا أخرى. وربما يكون في محاكمة طه حسين وعلي عبد الرزاق ومصادرة كتابيهما"في شعر الجاهلي"و"الإسلام وأصول الحكم"مصداقا لهذا القول .
وعموما فإنه يمكن القول في هذا المضمار أن الهاجس الذي سيطر على الفكر العربي والاحتمالات التي ألهمت الثقافة العربية وانعكست فيها منذ بداية النهضة إلى حوالي أواخر السبعينيات من القرن المنصرم تتمثل في إشكالية تحديد الهوية العربية وسبل رسم ملامحها.
فالسؤال الملح الذي طرح نفسه باستمرار والذي حاول المثقفون العرب بمختلف مشاربهم من شتى منطقاتهم أن يجيبوا عله هو: من نحن بالنسبة للآخر ؟ وهل لنا وجود خارج الآخر وبمعزل عنه؟أم أننا والآخر متداخلان ومتناهيان؟
وثمة تساؤل آخر لا يزال موضوعا للتفكير والبحث والنقاش وهو: كيف يجب أن نكون بالقياس للآخر؟ ما هي المرجعية الفكرية والأطر المؤسسية التي يجب أن نختارها؟ وما هو مشروع المجتمع الأمثل الذي يجدر بنا تجسيده على أرض الواقع؟
إن الإنتاج الفكري العربي والإنتاج التي تمخض عنها ما زالا يعكسان هذه الإشكاليات التي ما فتئت تستقطب تفكير جانب كبير من النخب المثقفة العربية.
3-مستقبل الثقافة العربية (أو ضرورة التأهب لمواجهة عصر ما بعد الحداثة)