والجواب: أن ثمة فرق بين الدعوة والتربية، وبين التعامل وإجراء الأحكام؛ فالدعوة والتربية يجب أن تتجه إلى إصلاح القلوب، وتنقية السرائر؛ فصلاح الباطن هو الأساس، أما التعامل وإجراء الأحكام فهو على أساس الظواهر، ولا يسوغ للإنسان السعي للتنقيب عن الباطن، وحديثنا ونقدنا إنما هو منصب على دائرة التعامل وإجراء الأحكام، وليس على اعتناء المربي بتوجيه الدعوة لإصلاح الباطن.
ومما يعين المربي على تحقيق الاتزان في هذه القضية إدراك الارتباط بين صلاح الظاهر والباطن، فصلاح الباطن أو فساده لا بد أن يبدو أثره على ظاهر الإنسان، ومن ثم فليس بحاجة إلى التطلع إلى الباطن والتفتيش عنه، وفي المقابل فالأعمال الصالحة الظاهرة لها أثر في صلاح باطن المرء؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصدقة تطهر وتزكي، والصيام طريق لتحقيق التقوى، والذكر تطمئن به القلوب، وهكذا سائر الأعمال الصالحة.
وأولئك الذين يكلفون أنفسهم عناء البحث عن البواطن والتفتيش في الدواخل تبدو لهم مشكلات لا يطيقون حلها، فيعيشون حالة من القلق كان بإمكانهم تجاوزها لو اتبعوا المنهج الشرعي في الوقوف عند حدود الظاهر.
الصورة الثالثة: التهاون بحجة مسائل الاجتهاد:
ثمة قضايا كثيرة ضمن الوسائل الدعوية والتربوية اختلف فيها أهل العلم حلًا وحرمة، ولكل منهم مأخذه ودليله، فهي دائرة ضمن مسائل الاجتهاد.
والأمر في مسائل الاجتهاد واسع، ولا يسوغ في ذلك الإنكار والإغلاظ والتهارج، لكن ذلك قد يشعر بعض المربين أن هذه الأمور ما دامت ضمن مسائل الاجتهاد فالباب فيها مفتوح على مصراعيه دون ضوابط، فيسلك فيها ما يهواه دون أي اعتبار لأمر آخر.
وكون المسألة من مسائل الاجتهاد لا يُسوَّغ أن يتبع فيها المرء ما يحلو له، بل لا بد أن يتحرى ويجتهد في اتباع ما يؤدي إليه الدليل الشرعي -وليس هذا مقام بسط هذه المسألة-.
الصورة الرابعة: إهمال الورع الشرعي الواجب:
ومن ذلك: