وتدعو الشفقة والحرص والعناية المربي إلى التطلع ومحاولة معرفة ما وراء الظاهر، والدافع لذلك كله حسن؛ فهو يسعى للتربية والإصلاح، ويريد قياس نتاج تربيته، ويخشى أن يغتر بالمظاهر، لكن ذلك كله لا يسوغ أن يكون على حساب الضوابط الشرعية.
ومما يعين المربي على الاقتناع بالوقوف عند حدود الظاهر وتجاوز التطلع، علمه أنه غير مكلف شرعًا بما لا يظهر له، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عن نفسه:»إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ؛ فإنما أقطع له قطعة من النار.. « [1] ، فإذا كان هذا الشأن في الحقوق والأحكام فكيف بما هو دونها من أمور التربية والتوجيه؟
وكذلك فالداعية والمربي ليست مهمته إصلاح الناس وهدايتهم، بل ذلك أمره إلى الله وحده، إنما مهمته دعوتهم والاجتهاد في سلوك أقرب الطرق الموصلة لاستجابتهم، وحين لا يتحقق ذلك فالأمر خارجٌ عن دائرة مسؤوليته، وهاهو محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يستطع هداية عمه، وهاهو نوح مع ابنه، وإبراهيم مع أبيه، ونوح ولوط مع زوجيهما، فوقوع المتربي في المعصية وانحرافه ليس بالضرورة دليلًا على فشل المربي أو تقصيره في مهمته التي تنتهي عند أداء الجهد قدر استطاعته.
وثمة سؤال له أهميته هنا: ذلك أن العبرة بصلاح الباطن، وأن صلاح الظاهر وفساد الباطن باب من أبواب النفاق، فكيف مع ذلك نقف عند حدود الظاهر فقط؟ وكيف لا تكون عناية المربي متجهة إلى الباطن؟
(1) رواه البخاري (6967) ومسلم (1713)