ومع أهمية الجهاد وجواز الكذب فيه على الأعداء، إلا أنه مهما كانت المصالح فلا يجوز الغدر ولا الخيانة، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يوصي من يؤمره في الجهاد بمراعاة الأدب الشرعي؛ فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال:»اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا ... وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا« [1] .
السبب الثالث:
ضعف الورع والانضباط الشرعي، وهو باب بلي به كثير من الناس في هذا الزمان، ومن يضعف ورعه ويرق دينه ربما تجرأ على ما يعلم علم اليقين أنه محرم، أو تهاون فيما هو في دائرة المشتبهات، أو غلبه هواه.
وامتد أثر ذلك إلى بعض الصالحين فغلب عليهم التهاون وقلة الورع في حياتهم الخاصة، ومن ثم بدا أثره في أعمالهم وجهودهم الدعوية، بل بعضهم يرفض مبدأ النقاش في هذه القضايا من أساسه.
السبب الرابع:
الإغراق في التنظير والأسباب المادية والغفلة عن الإخلاص واستحضار النية واستشعار العبودية لله تعالى في هذه الأعمال، وحين يغيب هذا الأمر تسيطر الحسابات البشرية المادية، ويغفل المرء عظمة قدرة الله تبارك وتعالى، والتي من أعظم نتائجها وآثارها التسليم والتفويض له، والشعور بأن العمل مالم يبارك الله فيه ويكتب التوفيق لصاحبه فهو إلى بوار وهلاك.
(1) رواه مسلم (1731)