وقال القرطبي -حول قوله تعالى {ولقد يسرنا القرآن للذكر} (القمر:17) -: «أي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟» [1] .
وعده بعض أهل العلم وجهًا من وجوه إعجاز القرآن كما قال الماوردي: «الوجه السادس عشر من إعجازه: تيسيره على جميع الألسنة، حتى حفظه الأعجمي الأبكم، ودار به لسان القبطي الألكن، ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه، ولا تجري به ألسنة البكم كجريها به، وما ذلك إلا بخصائص إلهية، فضله بها على سائر كتبه» [2] .
قال الرافعي: « إنا لنعرف صبيان المكاتب - وقد كنا منهم - وما يسهل عليه القرآن وإظهاره، ولا يمكنه في أنفسهم حتى يثبتوه إلا نظمه واتساق هذا النظم، ولو هم أخذوا في غيره من فنون المعارف أو مختار الكلام أو نحوه مما يرادون على حفظه، أي ذلك كان لأعياهم وبلغ منهم إلى حد الانقطاع والتخاذل حتى لا يجمعوا منه قدرًا في حجم القرآن إن جمعوه إلا وقد استنفدوا من العمر أضعاف ما يقطعونه في حفظ القرآن، على أنهم يبلغون هذا بالعفو والأناة ولا يبلغون مثله من ذلك إلا بالعنت والجهد» [3] .
«أرأيتم ذلك الصبي يرسله والده إلى الكتاب، لا يعرف للحروف شكلًا، ولا يملك من اللسان العربي إلا كلمات محدودة، يقضي بها الحاجات اليومية لمن هم في مثل سنه، ولا يدرك من المعاني ما وراءها، يرسله والده إلى الكتاب فيقرأ القرآن، ثم ما يلبث إلا زمنًا يسيرًا، فإذا به قد حفظ القرآن كله، وأجاد تلاوته» [4] .
و «تلكم مدارس تحفيظ القرآن في العالم الإسلامي، نشأت منذ نزول القرآن ومازالت، يلتحق بها في كل بلد الآلاف يتلون القرآن، ويحفظون منه ما شاء الله، أرأيتم لو كان في حفظه مشقة، هل سيلتحق بها أحد أو يُلحق ابنه؟» .
(1) الجامع لأحكام القرآن (17/134)
(2) أعلام النبوة للماوردي (69) نقلًا عن خصائص القرآن للرومي (162-163)
(3) إعجاز القرآن (242)
(4) من خصائص القرآن لفهد الرومي (161)