الصفحة 49 من 150

وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة النضج الإنساني والقدرة على استيعاب الحقائق الكلية والقوانين الإلهية يصبح العلماء خلفاء للأنبياء ، لكي يوسعوا في أفكار الناس مكانًا للمقاييس الأصيلة ، وفي ظل التطلعات الرفيعة للدين يأخذون على عاتقهم مهمة البحث والاجتهاد والنضال ضد التحريف والتزوير وإشاعة المعايير الإلهية في اتجاهها الصحيح ....ومن حيث اختلاط التخطيط الذهني بالواقعيّات الخارجية فقد أثبتت البشرية خلال ما يناهز خمسة عشر قرنًا أنها مهيأة لتحمّل المسؤوليات الكبيرة ، وأنها قادرة على حفظ الميراث الذهني والعلمي ، وقد أبدت عمقًا في نظرتها الواقعية في مرحلة التحليل والتفسير .

وهذه الأمور تثبت أن الإنسان قد وصل إلى مرحلة الاستقلال والقدرة على حفظ الآيات السماوية بأقصى دقّة ، وانه يتحمل عبء الدعوة والتفسير ونشر الدين الحنيف.

وعندما وصلت التعاليم الإلهية إلى الإنسان انتفت الحاجة لمجيء نبيّ جديد، فلو فرضنا أننا أخذنا قطعة من الأرض وأجرينا فيها الدراسات اللازمة الدقيقة لاكتشاف ما فيها من آثار تأريخية ،فإننا نقطع حينئذ بعدم وجود شيء مخفيّ في بطن الأرض ،ولا يبقى هناك مجال آخر واكتشاف جديد ، وكذا لحال بالنسبة للأمور المتعلّقة بالوحي .

فعندما اجتازت النبوّة تلك المراحل المختلفة انتهت إلى أرفع درجات كمالها ورقّيها ،واتضحت من ناحية الوحي كلّ الزوايا المبهمة والغامضة التي يمكن ان تصل إليها أفكار الناس ، وعندئذ لا تبقى نقطة مبهمة ولا طريق غير مسلوك ، فتكون النبوة قد وصلت إلى آخر مدها في أداء دورها الخاص و أعمالها المستمرة،وتصبح قادرة على الاستمرار في حياتها مرتبطة بالمنبع اللانهائي للوحي ، ومتصفة بالاتّساع والخروج على بعد زمان واحد ، ومتمّيزة بنظام قيمي وثقافي واجتماعي واحد ...] (1) .

(1) كتاب (أصول العقائد في الإسلام) ج2 ص193-201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت