إن الإسلام الذي فاجأ الناس بفكرة النبوّة الخاتمة هو الذي يجيب على هذه التساؤلات.
فإحدى العلل لتجديد رسالات الأنبياء وتتالي الرسل هي ما يقع من تحريف في الكتب السماوية ، ولهذا فهي تفقد عندئذ صلاحيتها لهداية البشرية و إرشادها ، أما عندما يصل الإنسان إلى مرحلة من النضج بحيث يستطيع المحافظة على السنن والتعاليم الدينية بعيدة عن التحريف والتغير ، ويتمكن من النهوض بنشرها فانه ينتفي حينئذ اعظم الأسباب لتجديد الرسالة ، و لا تبقى حاجة لنبوة جديدة .
إذن يختلف عصر ظهور نبي الإسلام من هذه الناحية عن العصور التي ظهر فيها الأنبياء الآخرون بصورة كاملة ، حيث ان الإنسان قد وضع أقدامه في مرحلة النضج الفكري وتهيأت الظروف اللازمة لاختتام الرسالة .
فالنضج الاجتماعي والوعي العلمي قد أوصل الإنسان إلى مرحلة يكون فيها هو الحافظ والمبلّغ لدينه السماوي ، وبهذا يتحقق ركن مهم من أركان الخاتمية، وتسند مهمّة الإرشاد والدعوة منذئذ إلى العلماء والمفكرين وذلك لان الإنسان منذ هذا التاريخ أصبح قادرًا على حفظ تراثه التاريخي ومنجزاته المعنوية بفضل هذا الكتاب الكريم ، وبفضل ما أصبح يتمتع به من نضج ثقافي واجتماعي، ويجب عليه الحيلولة دون تحريف أو تغير هذا الكتاب الموحى إلى النبي الكريم، وذلك لان هذه الرسالة سوف تنتقل منذ الآن إلى المجموع ، وسوف لن تكون المسؤولية على عاتق فرد واحد فحسب وذلك كما يقول القرآن: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ....