فاذا قدرت الامة على حفظ ما ورثته عن نبيها ، ونشره بين الناس في الافآق، ومحو كل مطمع فيه وهدم كل خرافة تحدثها يد التحريف ، استغنت طبعًا عن قائم بهذا الامر سوى نفسها.
لقد ظهرت طلائع هذا التفويض من أول سورة نزلت على النبي (ص) حيث خاطبه الله سبحانه ، في اليوم الذي بعثه رسولا الى الناس وهاديًا لهم بقوله: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ( العلق 1-4) .
وهذا الخطاب يؤذن بان دينه دين التلاوة والقراءة ، دين العلم والتعليم ، دين القلم والتحرير وان هذا الدين سوف يربي أمة مفكرة متحضرة عالمة بقيمة التراث الذي يصل إليها قادرة على حفظ هذا الدين في ضوء العلم والفكر، مستعدة لنشر تعاليمه في أقطار العالم و أرجاء الدنيا بأساليب صحيحة .
وقد بلغت عناية الإسلام بالقلم والكتابة إلى حد ان اقسم سبحانه بـ (( القلم وما يسطرون ) )وانزل سورة باسمه تمجيدًا له وحثًا للامة على تقديره والعناية به ليكون رائدًا للتقدم والحضارة والمعرفة ويصير احسن ذريعة إلى حفظ التراث بلا حاجة إلى مبلغ سماوي .