الصفحة 45 من 150

وذلك ان المجتمعات تتفاوت ادراكًا ورشدًا ، فرب مجتمع يكون في تخلفه كالفرد القاصر ، لا يقدر على ان يحتفظ بالتراث الذي وصل إليه ، بل يضيعه كالطفل الذي يمزق كتابه ودفتره غير شاعر بقيمته .

ورب مجتمع بلغ من القيم الفكرية والأخلاقية والاجتماعية ، شأوًا بعيدًا يحتفظ معه بتراثه الديني واصل إليه ، بل يستثمره استثمارًا جيدًا فهو عند ذاك غني عن كل مروج يروج دينه ، او مبلغ يذكر منسيه او مرب يرشده إلى القيم لأخلاقية ، او معلم يعلمه معالم دينه ويوضح له ما أشكل من كتابه ، إلى غير ذلك من الشؤون ،فأفراد الأمم السالفة كانوا كالقصر غير بالغين في العقلية الاجتماعية فما كانوا يعرفون قيمة التراث المعنوي الذي وصل اليهم بل كانوا يلعبون به لعب الصبي بكتابه ، بتحريفهم له وتأويله بما يتوافق مع أهوائهم ومشاربهم ، ولذا كان يحل بالشريعة اندراس بعد مضي القرون والأجيال ويستولي عليها الصدأ بعد حقبة من الزمان .

لهذا ولذلك كان على المولى سبحانه ان يبعث فيهم نبي جيل بعد جيل ليذكرهم بدينهم الذي ارتضاه الله لهم ، ويجدد شريعة من قبله ويروج قوله وفعله ويزيل ما علق بها من شوائب بسبب أهواء الناس وتحريفاتهم .

و أما المجتمع البشري بعد بعثة الرسول (ص) ولحوقه بالرفيق الأعلى ، فقد بلغ من المعرفة والإدراك والتفتح العقلي والرشد الاجتماعي شأوًا يتمكن معه من حفظ تراث نبيه وصيانة كتابه عن طوارق التحريف والضياع ، حتى بلغت عنايته بكتابه الديني إلى تصنيف أنواع التأليف في أحكامه وتفسيره وبلاغته ومفرداته واعرابه وقرائته فأزدهرت تحت راية القرآن ضروب من العلوم والفنون .

فلأجل ذلك الرشد الفكري في المجتمع البشري ، جعلت وظيفة التبليغ والانذار على كاهل نفس الامة حتى تبؤات وظيفة الرسل من التربية والتبليغ، واستغنت عن بعث نبي مجدد على طول الزمان يبلغ رسالة من قبله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت