ولم يزل قائمًا بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها،من الصدق والعدل والوفاء،لا يحفظ له كذبة واحدة،ولا ظلم أحد،ولا غدر بأحد،بل كان أصدق الناس وأعدلهم،وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال عليه من حرب وسلم،وأمن وخوف،وغنى وفقر،وقلة وكثرة،وظهوره على العدو تارة،وظهور العدو عليه تارة،وهو على ذلك كله ملازم لأكمل الطرق وأتمها،حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان،ومن أخبار الكهان،وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق،وسفك الدماء المحرمة،وقطيعة الأرحام،لا يعرفون آخرة ولا معادًا،فصاروا أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم،حتى ان النصارى لما رأوهم من حين قدموا الشام قالوا:ما كان الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء،وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض،وآثار غيرهم يعرف العقلاء الفرق بين الأمرين.
وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة،فإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم،وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم،وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله،ظهر أنهم أعظم جهادًا وأشجع قلوبًا،وإذا قيس سخاؤهم وبذلهم وسماحة أنفسهم لغيرهم،تبين أنهم أسخى وأكرم من غيرهم،وهذه الفضائل به نالوها ومنه تعلموها وهو الذي أمرهم بها،لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله، كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة،وكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة، وبعضها من الزبور، وبعضها من النبوءات، وبعضها من المسيح، وبعضها ممن بعده،كالحواريين ومن بعد الحواريين، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم، حتى أدخلوا ـ لما غيروا دين المسيح ـ في دين المسيح أمورًا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح.