ولقد مدح الله تعالى هذه الأمة وصرح بأهليتها لوراثة الدين وتحمل أعباء نقل الدين والحفاظ عليه فقال سبحانه: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } (فاطر:32) ، يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (3/562) : [يقول تعالى ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه) وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات (ومنهم مقتصد) هو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات (ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) قال هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب] (1)
(1) وهناك كلام لبعض علماء الشيعة يؤيد ما ذكره أهل السنة من أهلية الأمة الإسلامية وفضلها في حمل تراث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فمنهم:
1-ينقل شيخهم الطوسي الملقب عندهم بشيخ الطائفة كلامًا قريبًا من هذا في تفسيره للآية حيث قال: [ وقال ابن عباس: الذين أورثهم الله الكتاب هم أمة محمد ، ورثهم الله كل كتاب أنزله ، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسبهم حسابا يسيرا وسابقهم يدخلون الجنة بغير حساب ، وقال ابن مسعود - بذلك - وكعب الاحبار وقال الثلاث فرق - المذكورة في هذه الآية كلهم في الجنة] ، ينظر تفسيره التبيان (8/430) .
2-يقول فيلسوفهم صدر الدين الشيرازي في كتابه (الحجة) ص111 مؤكدًا مدح الله تعالى لأمة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم: [ فقال الله تشريفًا لكليمه موسى عليه السلام (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً) (لأعراف: من الآية145) ، وقال تشريفًا لأمته - صلى الله عليه وسلم - (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْه) (المجادلة: من الآية22) ، فشتّان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، والإيمان عبارة عن العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر، فما أعظم وأشرف قدرهم فضلًا عن قدر نبيهم؟!] .