عليه إلا الأفذاذ من الناس. لو أُمِر الإنسان ألا يخرج من بيته يوما واحدا أو أودع في السجن ساعة لضاقت عليه الأرض بما رحبت وصار يضرب أخماسا بأسداس وترك ما كان يدعو إليه من قبل وتغيرت في عينه الموازين ... فالله المستعان. أما أحمد فبعدما خرج من كير المحنة ونارها جاءته المحنة الأخرى وهي فرض الإقامة الجبرية عليه في بيته لا يخرج حتى إلى الصلاة ولا يُعَلِّم ولا ينشر علما ولا حديثا.
ثم جاء بعد ذلك المتوكل فأكرم الإمام أحمد وعظمه ورفع عنه المحنة وأذن له بالتعليم والتدريس ونشر علمه وفقه وحديثه وفتياه، ومع ذلك فإن الأمر لم يسلم من المنغصات. فمع أن المتوكل أكرم أحمد واحتفى به ولقيه مرات وطلب منه أن يشخص إليه فاستقبله في بغداد وأسكنه ببيت فخم , وكان يغدى عليه بالموائد ويراح والإمام أحمد لا يأخذ شيئا من ذلك ولا يأكل منه شيئا ولا يقربه بل ينهى من حوله عن ذلك كله، وقد رضى وقنع باليسير والزهيد فكان يأكل من ماله الخاص. فحينئذ قال قائل للخليفة: إن هذا الرجل لا يأكل لك طعاما ولا يشرب لك شرابا ولا يجلس لك على فراش، بل هو يحرم ما تشربه فلماذا لا تتخذ منه موقفا؟! هذا تقرير رجال الأمن للخليفة في ذلك الوقت , فماذا قال الخليفة؟ لم يلتفت إلى هذا التقرير ولا أعطى رجال الأمن هذه الأهمية ولا اعتبر أن تقريرهم هو القول الفصل في شأن الإمام أحمد ولا في غيره , بل قال قولةً مدوية صريحة , قال:"والله لو نشر المعتصم - يعني أخرج من قبره بعدما مات - وكلمني في الإمام أحمد ما قبلت منه شيئا. الإمام أحمد له من قلبي مكانة رفيعة، لا أقبل فيه قول قائل".
ما سكتت الوشايات عند هذا الحد , فقد جاءه رجل من المغرضين وقال له: إن أحمد وإن كان يتظاهر بالدين والصلاح والعلم والفقه إلا أن الأمر بخلاف ذلك. قال له: ما الخطب؟ قال له صاحب التقرير الأمني الثاني: (إن أحمد يخطط لقلب نظام الحكم ويسعى إلى الوصول إلى السلطة وأن هناك وثائق تدل على ذلك!!) ما هي الوثائق؟! يقول التقرير الأمني الذي ذكره غير واحد من المؤرخين، قال له: (إن الإمام أحمد قد آوى بعض العلويين من نسل علي بن أبي طالب في بيته وأنه يُبايَع له في السر) ! إذا نحن أمام دعوة عريضة تعتمد على أمر موجود في بيت الإمام أحمد، رجل علوي يبايع له بالسر بالخلافة. فحينئذ أصاب الخليفة ما أصابه لأن هذا تقرير أمني يفترض أنه مبني على حقائق ومعلومات ودراسات، وليس على تخمين أو ظن، ولهذا فوجئ أحمد وأهل بيته وجيرانه وإذا بمنزله يُحاصر في ساعة متأخرة من الليل - أو ساعة متقدمة من الليل - فلم يشعر إلا والمشاعل والمصابيح تضاءُ على منزله ومنازل الجيران أيضا من أجل ضمان أن لا يتسلل أحد من المنزل , وتحيط بالدار فرق التفتيش والدوريات وقوات الطوارئ وغيرها وإذا الناس والأجهزة الأمنية حتى من فوق السطوح .. فماذا وجدوا؟ انظروا البساطة: أحمد رحمه الله جالس القرفصاء وعنده زوجته وأولاده وهم يتناولون طعام العشاء بكل هدوء وبكل بساطة مع الأولاد في جلسة عائلية. فوجئ الإمام رحمه الله بذلك: ما القصة؟ قالوا: عندك رجل علوي. قال: فتشوا.