فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 21

الإمام أحمد بهذا الخبر , وهكذا يكون المؤمن الصابر الذي قلبه مع أهل الخير وأهل الإيمان وأهل التقوى , إن لم يستطع أن ينفعهم علانية نفعهم سرا ولو بالنصيحة بينه وبينهم أو بالموافاة بما يكاد لهم {إِنَّ الْمَلأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ} . ولما حمل الإمام أحمد للمأمون سأله رجل عن حديث وقال: يا إمام ما تقول في حديث كذا وكذا؟ والإمام أحمد مثقل بالحديد في رجليه والقيود في يديه , فالتفت إليه الإمام أحمد وتبسم وهو يقول ويتمثل بقول الشاعر:

رويدك حتى تنظري عما تنجلي ~~~~~~~ عماية هذا العارض المتألق

أي انتظر حتى ينجلي هذا الأمر. نعم لقد انجلى هذا الأمر عن طيب معدن الإمام أحمد وصلاحه وأنه ممن خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى، وآثر الحياة الآخرة على الدنيا فجعل الله تعالى له الدنيا والآخرة.

مات المأمون وجاء المعتصم , وكان جاهلًا لا يعرف شيئًا ولكنه مشى على سنن من كان قبله ووجد الإمام أحمد محبوسا فزاد في حبسه وقيده وضَرَبَه وأهانه، وكان يقف عليهم بنفسه ويأمرهم بضربه حتى تتقطع أيدي الجلاد من شدة الضرب حتى قال أحدهم: والله لقد ضربت أحمد مائة سوط لو كانت على فيل لانهد. وكانوا يتعاقبون عليه والإمام أحمد رجل قد بلغ من السن ما بلغ وهو ضعيف الجسم كثير الصيام , يسرد الصوم بل ربما واصل أياما , ومع ذلك ربما ظل صابرا وهو يضرب ويتقلب تحت السياط ويتلوى ويعرضون عليه الفطر فلا يفطر ويقول: إني أقوى. يأتيه الخليفة فيقول له: يا أحمد والله لولا إني وجدت من قبلي قد حبسك ما صنعت بك شيئًا , ثم يقول والله يا أحمد لئن أجبتني إلى ما أريد أن تقول بأن القرآن مخلوق لأطلقن عنك القيود بيدي ولأركبن إليك بجندي ولأطأن عقبك، يا أحمد والله إني عليك لشفيق وإني لك محب , والله إنك عندي مثل ولدي هارون فأجبني إلى ما أريد حتى أطلق عنك وأكرمك ... إلى غير ذلك. فاستخدموا معه أسلوب القوة والقسوة والضرب، ثم أسلوب الترغيب والإشفاق والتعبير عن المشاعر. فكان الإمام أحمد لا يزيد في هذا ولا في ذاك على كلمة واحدة"هاتوا لي دليلا من كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما تذهبون إليه وتقولون"، ما عنده إلا هذا الكلمة. إنها قضية كبيرة , لامزايدة في المبادئ , والدين ليس فيه مجال للمساومة والبيع والشراء أو الالتقاء في منتصف الطريق، الدين حق واضح يؤخذ من القرآن والسنة ولا يزيد أهله بإيذائهم وضربهم وحبسهم والوقوف في سبيلهم إلا صبرا وثباتا. أهل العقائد على مدار التاريخ - حتى ولو كانت عقائدهم باطلة - كل ما أوذوا وحوربوا كان ذلك دفعة لهم للأمام وتقوية لعزائمهم وتصبيرا لهم وحفزا لهمهم , فكيف إذا كانوا أهل الحق الذين ينطقون عن القرآن والسنة ويقتدون بهدى المرسلين؟. إنهم يقرءون ويسمعون قول الله تعالى أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت