مثل الذي يشرب من البحر لا يزداد بسعة علمه إلا عطشا ورغبه إلى العلم. حج رحمة الله خمس حجج منها ثلاث كان ماشيا على رجليه , وفي أحد هذه الحجج منذ ذهب وإلى أن رجع لم تزد نفقته على ثلاثين درهما. قال الشافعي - رحمة الله تعالى: خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من أحمد بن حنبل. وقال أيضا: أحمد بن حنبل إمام في ثمان مسائل إمام في الحديث وإمام في الفقه وإمام في اللغة وإمام في القرآن وإمام في الزهد وإمام في الفقر و إمام في الورع وإمام في السنة.
تسأل عن صفة أحمد؟! كان بشرا من البشر، في غاية التواضع. وكان حسن الصورة حسن الوجه، ربعة بين الرجال ليس بالطويل ولا بالقصير وهو إلى الطول أميل , يخضب بالحناء وفي لحيته شعرات سود بعد كبره. كان أسمر شديد السمرة، غليظ الثياب، إلا أن ثيابه كانت بيضاء شديدة البياض.
قال العباس النحوي: رأيت الإمام أحمد وهو معتم وعليه إزار. يا سبحان الله! كم ببغداد من رجل عليه عمامة وعليه إزار؟! مائة ألف أو خمسمائة ألف أو ربما أكثر , لكن هذا الرجل ينقل لنا صورة رآها. لماذا؟ لأن الله كتب لأحمد الخلود في الدنيا فصار الناس يذكرون حتى أدق التفاصيل عن حياته , حتى لقد نقل الناس عنه حتى الصمت!!"سئل أحمد عن كذا فسكت","سئل عن كذا فهز رأسه","سئل عن فلان فأشاح بوجه", كل هذا ينقل عن أحمد وهناك غيره من أهل العلم من نُسيت كتبهم ودرست معالمهم ولم يعد الناس يذكرونهم بشيء لأن الله تعالى لم يكتب لهم الخلود في هذه الدنيا فانقطع أثرهم وذكرهم. أما أحمد فقد كتب الله له الخلود لا لأنه من بني ذهل بن شيبان، ولا لأنه من العرب، ولا لأنه عاش في بغداد، ولا لأنه اقترب من السلطان، ولا لأنه ملك الأموال، ولكن لأنه قام بأمر الله عز وجل في وقت عز فيه القائمون بأمر الله تعالى.
كان الإمام أحمد مهيبا إذا رآه الإنسان هابه وامتنع عن كثير مما يريد أن يقول، حتى إن يزيد بن هارون كان إماما عالما محدثا صاحب نكته ودعابة فربما مزح فضحك الطلاب، فلما علم بعد ذلك أن أحمد كان في مجلسه قال ألا أخبرتموني أن أحمد كان بيننا وغضب عليهم. وفي إحدى المرات قال كلمة فضحك الطلاب فتنحنح الإمام أحمد فلما نظر إليه خجل منه واستحى. قال عبدالملك الميموني عن الإمام أحمد: ما رأيت أنظف بدنا ولا أشد تعاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ولا أنقى ثوبا بشدة بياض من أحمد بن حنبل , ولم يكن في ثيابه رقه تنكر ولا غلظة تنكر، كان يحب التوسيط في الملابس وفي الحذاء وفي غيرها، لا يحب ملابس العظماء والمستكبرين والأغنياء والأثرياء والمترفين، وأيضا كان يبتعد عن الملابس التي يتميز بها الصوفية أو المتظاهرين بالزهد والفقر والورع، لأنه لا يحب أن يتظاهر بشي من ذلك كما سوف يأتي بعد قليل.
مات الإمام أحمد سنه 241هـ وكان عمره سبع وسبعين سنة.