يكون هذا استدراجا. أي: من أجل ماذا يدعون لي؟ ما فيّ شيء يستحق أن يُدعى لي وأخشى أن يكون هذا من الاستدراج. قال له يا أحمد: كنا في بلاد الروم وقد هجم المسلمون على الكفار فكان الجنود وهم مرابطون في المعارك يدعون لك في الهزيع الأخير من الليل ويبكون ويسألون الله تعالى لك. فدمعت عيناه وقال: من أجل ماذا؟ أخشى أن يكون هذا استدراجا. قال: يا أحمد والله لقد رأيت الجنود يرمي أحدهم بالمنجنيق ويقول: هذا عن الإمام أحمد، فربما ضرب علجا من علوج الروم فقطعه أو قتله فبكى أحمد وقال: من أجل ماذا يصنعون هذا؟ أخشى أن يكون استدراجا.
قيل له وقد ترك التحديث في آخر عمره وحلف ألا يكمل حديثا من أوله إلى آخره وأعرض عن الناس , فقال قائل في مجلسه: يا أحمد إن الناس يتكلمون أنك لست زاهدا في الدنيا فقط بل أنت زاهد في الدنيا زاهد في الناس. قال: ومن أنا حتى أزهد في الناس , الناس يزهدون بي. ولاحظ أخي أن الإمام أحمد ما كان يرى أنه هو الإمام الفحل المبجل الذي اتسم بالورع حين خلط الناس، والتقوى حين فجر الناس، والتزم بالسنة حين خالفها الناس، وأنه وحيد زمانه وفريد أوانه. كان متواضعا لا يرى لنفسه حقا ولا يرى نفسه شيئا! يقول: لا , الناس يزهدون بي ولست أنا الذي أزهد بالناس.
ذكروا له أن فلانا رأى أنك بشرت بالجنة , فلان رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يذكرك ويثني عليك ويقول: اصبر. فيبكى الإمام أحمد وينفض يده ويقول: الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره وهذا فلان بُشِّر بالجنة فوقع في الدماء - أي اعتدى على الناس وتجرأ عليهم -.
ننتقل بعد ذلك إلى نقطه وفقره أخيره وهي: (بين الإمام أحمد وبين علماء عصره) .
علماء عصره كثي ر، وقل منهم أحد إلا ولقي أحمد وأخذ عنه أو تتلمذ الإمام أحمد عليه لكني سوف أضرب نماذج سريعة لكل فئة:
الإمام الشافعي نموذج لعلماء السنة , أخذ عنه الإمام أحمد نحو عشرين حديثا مع أن الإمام أحمد أبصر منه بالحديث وأوسع منه في الرواية بمراحل ومع ذلك أخذ عنه، وكان الإمام أحمد يقول لبعض زملائه تعال حتى أريك رجلا لم ترَ عينك مثله قط، ثم يشير إلى الشافعي رضي الله عنه. كما أخذ عن الشافعي جملة من كلام العرب. ولما مات أحمد وجد في تركته كتاب الرسالة وهو كتاب عظيم صنفه الشافعي في أصول الفقه وكان أحمد يقرأ فيه ويستفيد منه ويدعو للشافعي ويثني عليه. وقد روى أحمد عن الشافعي حديثا طريفا مسلسلا بالأئمة: رواه أحمد عن الشافعي عن مالك وهم ثلاثة أئمة متبوعون , عن الزهري عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى تعود إلى جسدها) ولما لقي الإمام الشافعي أحمد في رحلته الثانية إلى بغداد قال الشافعي لأحمد