فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 21

:"يا أحمد إذا صح الحديث عندكم فأعلمني به حتى أذهب إليه".. حجازيا كان الحديث أو شاميا أو عراقيا أو يمنيا أو كان ما يكون إذا صح الحديث فأخبرني حتى أذهب إليه. يقول هذا لإنسان يصغره بسنوات طويلة. وكان الإمام أحمد يقول لولد الشافعي محمد بن محمد: أبوك من الستة الذين أدعو لهم في السحر.

وكان الإمام أحمد في حداثته يختلف إلى مجالس علماء آخرين كالقاضي أبو يوسف , وقد كتب روايات علماء الرأي وروايات أهل العراق ثم أقبل على الحديث والسنة.

نموذج آخر: الحارث بن أسد المحاسبي وهو من المشهورين بالزهد والتقوى والورع والصلاح , بل التشديد في ذلك والتنقيب فيه. قال إسماعيل بن إسحاق السراج: قال لي الإمام أحمد هل تستطيع أن تريني الحارث بن أسد المحاسبي؟ قال قلت له: نعم. وفرحت فرحا شديدا فدعوتهم ليلة على العشاء فأتوني بعد المغرب فجلسوا مطرقي الرؤوس , وجلس الإمام أحمد في غرفة بحيث يسمع حديثهم ولا يرونه هم ولا يعلمون به .. قال فجلس هؤلاء مطرقي الرؤوس كأن على رؤوسهم الطير وهم يتحدثون وبشر يعظهم ويذكرهم. قال: فإذا كان قريب من نصف الليل سأل أحدهم الحارث عن مسألة فشرع الحارث يتكلم فيها بكلام قوي جزل مؤثر فجعل هذا يبكى وهذا يأن وهذا يزعق، قال: فصعدت إلى أحمد في الغرفة فإذا هو يبكى وقد اشتد به البكاء حتى كاد أن يغشى عليه. قال فرجعت فلم يزل كذلك إلى الصباح، ثم ذهبت إلى أحمد فقلت له: ماذا رأيت؟ قال: ما رأيت أحدا يتكلم في الزهد مثل هذا الرجل، وما رأيت مثلهم قط، فأثنى عليهم بالخير الذي فيهم، قال ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمع بهم. لماذا؟ أولا: قيل لأنه كان عنده شيء من علم ا لكلام، وهذا محتمل. ثانيا: قال البيهقي لأنه ظن أن هذا الرجل يعجز أن يصل إلى سيرة هؤلاء ويشق عليه. ثالثا: وهذا الذي رجحه ابن كثير في البداية والنهاية أن الإمام أحمد رأى في الحارث ومن معه من شدة التقشف والتدقيق والتنقير والمحاسبة والتشديد في ذلك والمبالغة فيه ما يرى أنه ليس بمشروع. فلذلك تركهم ونصح هذا الرجل بأن لا يصحبهم وأن يقبل على العلم والحديث والزهد المعتدل الذي لا يكون فيه إسراف.

النموذج الثالث من علماء عصره ابن أبي دؤاد الذي كان يسمى قاضي القضاة، وكان عالم الخليفة وهو الذي تسبب في البدعة وناظر الإمام أحمد ووقف على رأسه وأغرى به وآذاه وحصل منه ما حصل، ثم دارت الدائرة عليه فجرد من منصبه وبيعت أمواله بالمزاد العلني وأخرج من بغداد واضطهد وضيق عليه ومات شر ميتة، ثم لم يحضر جنازته إلا عدد قليل. سئل عنه الإمام أحمد فلم يجب عنه بشيء فسئل في أمواله فأعرض عنها.

فهذا نموذج سريع لمواقفه من علماء عصره ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت