غزلا دقيقا فتبيع الأستار بدرهمين أو أقل أو أكثر وكان ذلك قوتنا ومعاشنا، وكان يقول: أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيئ من الدنيا. ثم يقول: إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وأيام قلائل ثم نصير إلى الدار الآخرة.
ثم بلغ من ورع الإمام أحمد وزهده أنه نهى ولده عن أن يأخذ شيئا من أعطيات السلاطين، وكان صالح - فيما أذكر - قد وليَّ القضاءُ وأخذ بعض المال وبعض المرتبات، فكان الإمام أحمد - لا تحريما لهذا ولكن من باب الورع ولأنه يرى أنه دخل في الأموال شيئ - يتورع عن أخذها ويعتذر عن ذلك، ولما أخذ أولاده بعض ذلك عاتبهم فاعتذروا , وقالوا: احتجنا يا أبانا , فهجرهم شهرا لا يكلمهم. ولما مرض وصفوا له بعض القرع الذي يشوي ويؤخذ ماؤه فلما جاءوا بهذا القرعة قال بعض الحضور: اجعلوها في تنور صالح. لأن تنور صالح قد أوقد وحمى فاجعلوها في هذا التنور. فكان الإمام أحمد يقول بيده هكذا (لا، لا) ، لا تجعلوها في تنور صالح لأنه يأخذ من السلطان. وكان لعمه غلام يجلس عند الإمام أحمد فربما حرك عليه المروحة يروح عنه أحيانا فبغض الإمام أحمد ذلك لأنه يخشى أن يكون عمه اشترى هذا العبد من أعطيات السلطان.
هذا جانب من ورعه، جانب من زهده، إنه لا يحرم الحلال أبدا ولا يضيق على الناس أبدا. والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك) , أي ما كان من سبل الحلال ولكنه كان في خاصة نفسه وفي من يعول من ولده يتخذ مسلك الورع والتقوى والاحتياط والتعفف والبعد حتى عن أقل القليل من ذلك.
أخلاقه ومناقبه: وإنها عجب من العجب! أُوذِي الإمام أحمد وضُرِب وقضى حياته كلها مترددا بين السجون فماذا كان موقفه؟ سامح من آذوه وضربوه , وقال:"ما علينا ألا يعذب الله تعالى أحد بسببنا", إلا من أصروا على الضلال والبدعة فإنه لم يصالحه. وقد تلقى عنه هذا الهدي والسمت تلاميذه ومحبوه وأتباعه , فكان الإمام ابن تيمية مثلا وقد ضُرِب أيضا وأُوذى واعتُدِي عليه وسُجِن , وكان إذا أصرَّ عليه طلابه يقول لهم: الحق إن كان لي فقد عفوت عنهم، وإن كان لله فالله تعالى يتولاهم، أما أنتم فليس لكم بذلك شأن.
قيل للإمام أحمد قد مكنك الله من عدوك , هذا هو ابن دؤاد اصنع به ما شئت واحكم فيه ما شئت , فلم يتكلم بشيء!. ما قال أنتقم منه وأن هذه فرصة سانحة بل أعرض عنه , {وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفي وأصلح فأجره على الله} , (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تحن من خانك) . استفتوه في أموال لابن أبي دؤاد وكانت أموالا جاءته من السلاطين فلم يرد منها شيئا وما أفتاهم بشيء. بل ذكر البيهقي حكاية عجيبة عن أبي الفضل التميمي عن الإمام أحمد أنه كان يدعو في سجوده ويقول:"اللهم من كان"