بَدَانَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح. فكان الإمام يتعامل مع الله تعالى، ويراقب الله، ويخاف من الله، فلا يتظاهر بشيء. قال أبو حاتم: إذا رأيت أحمد تعلم أنه لا يظهر النسك , رأيتُ عليه نعلا لا يشبه نعل القراء له رأس كبير (يعني النعل) معقد , وشراك مسبل كأنه اشترى له من السوق (يعني نعلة من نعال الناس) وليس من النعال التي يتميز بها القراء وأحيانا فتيان القراء. وبعض المحدثين وبعض الطلبة قد يكون له سمت خاص وبزة معينة أما أحمد لم يكن كذلك، بل كان كسائر الناس. قال: ورأيت عليه إزارا وجبة. قال أبو محمد ابن أبي حاتم: أراد الإمام أحمد بهذا - والله أعلم - ترك التزين بزي القراء وإزالته عن نفسه لئلا يشتهر به. إذا كان الإمام يكره أن يشتهر بشيء من ذلك. وقال المروزي إذا كان الإمام أحمد في بيته كان خاشعا وكان عامة جلوسه التربع , فإذا كان برّا - يعني في خارج بيته - لم يتبين منه خشوع ولم يكن يتظاهر بذلك لا في مشيته، ولا في ثيابه، ولا في طأطأة رأسه. ولا يتميز بثياب خاصة أو ملابس معينة أو هندام وإنما كان يهتم بالحقائق لا بالمظاهر وبالمعاني لا بالرسوم.
أمر ثالث من زهده وعبادته إعراضه عن الدنيا والمال: قضى الإمام أحمد حياته كلها فقيرا , وكان يحب الفقر ويفرح به. ومع ذلك عرضت عليه أُعطيات كثيرة من التجار ومن سائر الناس , بعضها أموال، وبعضها من المزارع، وبعضها هدايا، وبعضها أعطيات. ومع أنهم يحاولون بكل وسيلة إلا أنه كان لا يقبل شيئا من ذلك قط مهما كانت به من الحاجة. قال: عبد الرزاق: أعطيته بعض الدنانير فردها الإمام أحمد، وقال: أنا بخير. وقال محمد بن سعيد الترمذي: قدم إلى بغداد صديق له من خرسان وكان قد اتخذ بضاعة يبيع ويشتري وقال: إن ربح هذه البضاعة للإمام أحمد. فذهب الرجل إلى الإمام أحمد، وقال له: أن رجل بخرسان يبيع ويشتري ويقول: إن ربح البضاعة لأحمد. فقال الإمام أحمد: جزاه الله تعالى عنا عن العناية والاهتمام خيرا، أما نحن ففي غنى وسعة , وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك. ربما أحرجه بعض الناس وأطال عليه فيقوم من المجلس ويدخل في بيته. دفع إليه السلطان أموالًا فردها، ودفعها فردها مرة أخرى , فقالوا له: إن رددتها تغير عليك قلب السلطان وظن أنك لا تأخذ منه شيئا وربما وقع في نفسه. فأخذ هذه الأموال وقال: هاتوا لي أسماء الفقراء وطلاب الحديث وطلاب العلم المحتاجين وجعلها كلها في قوائم فما أصبح في بيته درهم واحد منها ولا دينار , وكان يقول: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} . ولما مات الإمام أحمد بعث ابن طاهر بصينيتين عليهما كفن و حنوط للإمام أحمد وقال: كفنوه في هذا وحنطوا بهذا. فقال صالح ولد الإمام أحمد: لا , إن الإمام أبا عبدالله قد أعدّ كفنه وأعدّ حنوطه قبل أن يموت، وإن أمير المؤمنين قد أعفى والدي من كل ما يكره وهذا مما يكره الإمام أحمد، وأبى أن يقبلها وردها إليه. كان الإمام أحمد يقول لولده صالح: إن والدتك - وكان يحبها كثيرا ويتذكرها وقد ماتت قبله - كانت تغزل