فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 860

[حديث: إذا أسلم العبد فحسُنَ إسلامه]

41# وبه قال: (قال مالك) وفي رواية: (وقال) ، وفي أخرى: (قال: وقال مالك) هو ابن أنس: (أخبرني) بالإفراد (زيد بن أسلم) أبو أسامة القرشي المكي، مولى عمر بن الخطاب: (أن عطاء بن يسار) ؛ بفتح المثناة تحت والسين المهملة: أبا محمد المدني، مولى أم المؤمنين ميمونة (أخبره أن أبا سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ؛ بالدال المهملة رضي الله عنه (أخبره: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم) حال كونه (يقول) بالمضارع حكاية حالٍ ماضية: (إذا أسلم العبد) وكذا الأَمة، وخصَّ الذكر؛ تغليبًا، (فحسن إسلامه) أو إسلامها بالدخول فيه ظاهرًا وباطنًا، أو المراد: المبالغة في الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة؛ (يُكَفِّر) ؛ بضم المثناة تحت، وفتح الكاف، مع تشديد الفاء المكسور،: من التكفير؛ وهو التغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في الطاعات، وقال الفاضل جار الله الزمخشري: التكفير إماطة المستحق من العقاب بثواب زائد أو بتوبة، انتهى (الله عنه) وعنها، جزاء الشرط؛ أعني: (إذا) ، ويجوز فيه الرفع والجزم، وذلك إذا كان فعل الشرط ماضيًا والجواب مضارعًا، وعند الجزم يلتقي الساكنان، فتحرك بالكسر؛ لأنَّه الأصل، ولكن الرواية هنا بالرفع، وفي روايةٍ: (كَفَّر الله) بصيغة الماضي، فوافق فعل الشرط؛ فليحفظ، (كلَّ سيئة) منصوب مفعول (يُكَفِّر) (كان زلَفها) بتخفيف اللام المفتوحة، وفي رواية: بتشديد اللام، وفي أخرى: (أَزْلَفها) بزيادة همزة مفتوحة؛ وهما بمعنًى واحد؛ أي: أسلفها وقدمها، (وكان بعد ذلك) ؛ أي: بعد حسن الإسلام (القصاصُ) بالرفع اسم (كان) على أنَّها ناقصة، أو فاعل على أنَّها تامة، وعبر بالماضي؛ لتحقق الوقوع؛ (الحسنةُ) بالرفع مبتدأ، خبره (بعشر) ؛ أي: تُكتب أو تُثبت في الصحف أو في الميزان بعشر (أمثالها) حال كونها منتهية (إلى سبع مئة ضِعف) ؛ بكسر الضاد: المثل إلى ما زاد، يقال: لك ضعفه؛ يريدون: مثليه وثلاثة أمثاله؛ لأنَّه زيادة غير مخصوصة؛ كذا في «القاموس» .

وزعم بعض الشافعية أنَّ التضعيف لا يتجاوز سبع مئة، وأجيب: بأنه أخرج المؤلف في (الرقاق) من حديث ابن عباس: «كتب الله له عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة» ، وهو يرد عليه.

وأما قوله تعالى: {وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} [البقرة: 261] ؛ فالمراد: أنه يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء؛ بأن يجعلها سبع مئة، أو أنه يضاعف السبع مئة بأن يتجاوزها بأضعاف، لما في «أبي عاصم» عن أبي هريرة أنه قال: (إن الله يعطي بالحسنة ألفي ألف حسنة) .

وفي حديث مالك مما أسقطه المؤلف: أن الكافر إذا حَسُن إسلامه، يُكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، فالله من فضله إذا كتب الحسنات المتقدمة قبل الإسلام؛ فبالأَولى أن يتفضَّل على عبده المسلم بما شاء من غير حساب، وإنما أسقط المؤلف هذه الزيادة؛ لأنَّ القاعدة: أنَّ الكافر لا يُثاب على طاعته في شركه، وردَّه النووي بأن الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم الإجماع: أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة على جهة القربى؛ كصدقة، وصلة رحم، وإعتاق، ثم أسلم ومات على الإسلام؛ أنَّ ثواب ذلك يُكتب له، والحديث الآتي يدل عليه، فدعوى أنه مخالف للقواعد غير مسلَّمة.

وأما قول الفقهاء: لا تصح عبادةٌ من كافر، ولو أسلم؛ لم يعتدَّ بها؛ فمرادهم: لا يعتد بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرُّض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل: بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة؛ فهو مجازف، فيرَدُّ قوله بهذه السنة الصحيحة.

(والسيئةُ) بالرفع مبتدأ خبره (بمثلها) أي: لا يُزاد عليها (إلَّا أن يتجاوز الله) سبحانه (عنها) ؛ أي: عن السيئة فيعفو عنها، وفيه دليل ظاهر لأهل السنة: أنَّ العبد تحت المشيئة إن شاء الله تجاوز عنه وإن شاء أخذه، وهو يردُّ قول القائل: إن ذنوب أهل البيت مغفورة لهم بدون توبة، وفيه ردٌّ على المعتزلة القائلين: أن مرتكب الكبيرة في النار، وقال ابن حجر: أول الحديث يردُّ على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان؛ لأنَّ الحُسن تتفاوت درجاته.

قلت: هذا كلام ساقط؛ لأنَّ الحُسن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقصان قابلية الذات إياهما؛ لأنَّ الذات من حيث هو هو لا يقبل ذلك؛ كما عرف في موضعه، أفاده الشيخ الإمام بدر الدين العيني قُدِّس سرُّه، قلت: وقدمنا ما يتعلق بذلك أول الكتاب؛ فيراجع.

[ص 25]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت