فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 860

هذا (باب) بالتنوين، وهو ساقط في رواية: (المعاصي) مصدر ميمي؛ وهي مخالفة الشرع، ويجوز في (باب) الإضافة إلى ما بعده (من أمر الجاهلية) ؛ وهي زمان الفترة قبل الإسلام، سُمِّيت بذلك؛ لكثرة جهالتهم، (ولا يُكْفَر) ؛ بفتح المثناة تحت وسكون الكاف، وفي رواية: بضم المثناة التحتية، وفتح الكاف، وتشديد الفاء مفتوحة (صاحبها بارتكابها) ؛ أي: باكتسابها والإتيان بها، فلا ينسب إلى الكفر (إلا بالشرك) ؛ أي: بارتكاب الشرك بالله تعالى، خلافًا للمعتزلة القائلين: بأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر؛ بل هو فاسق، وللخوارج القائلين: بتكفيره، والذي حققه العلماء في كتب التوحيد أن المعتزلة فسقة؛ لأنَّهم من أهل التوحيد، وقيد بـ (الارتكاب) ؛ للاحتراز عن الاعتقاد، فلو اعتقد حِلّ حرام معلوم من الدين بالضرورة يكفر؛ (لقول النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) لأبي ذر: (إنك امرؤ فيك جاهلية) ؛ أي: فعلت فعلًا من أفعال الجاهلية بأن عيرته بأمه (وقول الله تعالى) وفي رواية: (عز وجل) وفي أخرى: (وقال الله) : ( {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ) نزلت في قضية وحشي قاتل حمزة، إلى أن قال للنبي عليه السلام: إنِّي أشركت بالله، وقتلت النفس، وزنيت، فهل يقبل الله مني توبة؟ فأنزل: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ} الآية [الفرقان: 68] ، فتلاها عليه، فقال: أرى شرطًا فلعلي لا أعمل صالحًا أنا في جوارك [1] حتى أسمع كلام الله، فنزلت هذه الآية، والمراد بـ (الشرك) : الكفر؛ لأنَّ من جحد نبوة نبينا عليه السلام كان كافرًا ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بالإجماع، ( {وَيَغْفِرُ} ) الله ( {مَا دُونَ ذَلِكَ} ) أي: الشرك ( {لِمَن يَشَاءُ} ) [النساء: 48] الغفران له، فكل من مات على التوحيد؛ غير مخلد في النار، وإن ارتكب جميع المعاصي غير الشرك.

وهذا أعظم دليل على بطلان قول مَن قال: إنَّ المغفرة لأهل بيت النبوة محقَّقةٌ لهم وإنَّ ذنوبهم صورية لا معنوية، وإنَّ ذنوبهم مغفورة لهم بدون توبة، وإنَّه لا أحد منهم يدخل النار، وألَّف في ذلك رسالة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] ، والمراد بـ {الرِّجْسَ} : الزكاة؛ كما بُيِّن في محلِّه، ولم يلتفت إلى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا [العَذَابُ] ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] ، قال القرطبي: فتُحَدُّ حدَّين، وقال تعالى لنوح: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] فأخرجه من نسبه؛ لأنَّه أشرك بالله تعالى، وقد ردَّيتُ عليه بكلام آخر أوضحته في «شرحي على مختصر القدوري» ، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (جورك) .

[ص 20]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت