فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 860

[حديث: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه]

416# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق ابن نصر) ؛ نسبه إلى جده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر البخاري (قال: حدثنا) ولأبوي ذر والوقت: (أخبرنا) (عبد الرزاق) : هو ابن همام الصنعاني، صاحب «المصنف» ، (عن مَعْمَر) ؛ بفتح الميمين، بينهما عين ساكنة، وللأصيلي: (أخبرنا مَعمَر) : هو ابن راشد البصري، (عن همَّام) على وزن (فعَّال) ؛ بالتشديد: هو ابن مُنَبْه _بضمِّ الميم، وفتح النون، وتشديد [1] الموحدة_ ابن كامل الصنعاني، أخو وهب: أنَّه (سمع أبا هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، (عن النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنَّه (قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة) ؛ أي: إذا أراد أحدكم القيام إليها على حد قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] ، والمراد: أنه تهيأ إليها بأن استقبل القبلة، وأتى بالسنن، وبهذا التقدير اضمحل ما زعمه القسطلاني من أنه فسر القيام: بالشروع فيها؛ لأنَّه لا يوافق قوله: (فلا يبصق) ؛ بالصاد المهملة، والجزم على النهي؛ لأنَّ البصاق يكون خروجه بحروف مفهمة، وهي تفسد الصلاة، وهو خلاف ما أراده عليه السَّلام، ويؤيده قوله عليه السَّلام: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنَّما هي التسبيح وقراءة القرآن» ، أخرجه مسلم وغيره، ولا ريب أن الحروف المفهمة كلام، ويدل عليه الحصر في قوله: «إنما هي ... » إلى إلخ، فإنَّها تسبيح وقرآن؛ فافهم.

(أَمامه) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: قدامه؛ والمراد: جهة القبلة، (فإنما) وللكشميهني: (فإنَّه) ؛ أي: مريد الصلاة أو المصلي (يناجي الله) من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنه يناجيه تعالى، والرب عز وجل يناجيه من جهة لازم ذلك؛ وهو إرادة الخير والبركة، فهو من باب المجاز؛ لأنَّ القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة؛ إذ لا كلام محسوسًا إلا من جهة العبد (ما دام في مصلاه) ؛ أي: مدة دوامه في مصلاه، قاله إمامنا الشَّارح.

قلت: وأشار به إلى أن كلمة (ما) ظرفية مصدرية؛ معناها: المدة؛ يعني: مدة دوامه قاعدًا في مكان صلاته متوجهًا للكعبة، ويدل عليه قوله عليه السَّلام: «إنكم في صلاة ما انتظرتموها» ؛ يعني: ما دمتم منتظرين الصلاة، فأنتم فيها حكمًا من حيث إقبال الرب عليه بالرحمة والعفو والغفران، وهذا يؤيد ما قلناه، ويرد على ما زعمه القسطلاني آنفًا.

قال الشَّارح:(فإن قلت: هذا تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، ورواية: «أذى المسلم» يقتضي المنع مطلقًا ولو لم يكن في الصلاة.

قلت: هذه مراتب، فكونه في الصلاة أشد إثمًا مطلقًا، وكونه في جدار القبلة أشد إثمًا من كونه في غيرها من جدار المسجد)انتهى.

قلت: وقوله: (هذا تخصيص المنع ... ) إلخ: قد يقال: إنه تخصيص المنع مطلقًا، سواء كان في الصلاة أو خارجها؛ لأنَّ من توضأ أو أذن أو أقام للصلاة يناجي ربه عزَّ وجلَّ؛ فهو مصلٍّ حكمًا، وهو موافق لما في رواية: (أذى المسلم) ، فيكون المنع المطلق.

وقوله: (فكونه في الصلاة أشد ... ) إلخ: لما يلزم عليه من إظهار الحروف وفساد الصلاة، وهو غير جائز؛ لقوله تعالى: {وَلاَ [2] تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] .

وقوله: (وكونه في جدار القبلة ... ) إلخ؛ لأنَّ القبلة لها شرف ومزية على غيرها من الجهات؛ لقوله عليه السَّلام: «فإن الله قِبَلَ وجهه» ؛ أي: رحمته، كما قدمنا؛ فافهم.

(ولا) يبصق (عن يمينه؛ فإن عن يمينه مَلَكًا) ؛ بفتح الميم واللام والكاف، وهذا يقتضي اختصاص منع البزاق عن يمينه؛ لأجل الملك، وفي يساره أيضًا ملك.

قلت: إنَّ لكل واحد قرينًا، وموقفه عن يساره، كما ورد في حديث أبي أمامة، رواه الطبراني، فإنَّه بين يدي الله وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره، فلعل المصلي إذا تفل عن يساره؛ يقع على قرينه، وهو الشيطان ولا يصيب الملك منه شيء، كذا قاله إمام الشَّارحين، وأجاب غيره: بأن لليمين شرفًا، قال إمامنا: (وفيه نظر) .

قلت: ووجهه أن على اليمين ملكًا كما أن على اليسار ملكًا أيضًا، فأين الشرف الذي لليمين على اليسار؟ وقد يقال: إن لليمين شرفًا من حيث إنَّه عليه السَّلام كان يبدأ بها في مشيه ودخوله وخروجه وأحواله كلها، وقد يقال: هذا لا يقتضي الشرف؛ لاحتمال أنه يفعل ذلك؛ لأجل التسهيل عليه والعادة.

[ص 555]

وأجاب بعض: بأن الصلاة أُمُّ الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها الكائن عن اليسار، قال إمامنا الشَّارح: (وفيه نظر؛ لأنَّه ولو لم يكتب؛ لا يغيب) انتهى.

قلت: ويدل عليه قوله عليه السَّلام: «إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا حال الجماع ودخول الخلاء» ، على أنَّه لكاتب السيئات دخل في الصلاة، كما أنَّ لكاتب الحسنات دخلًا [3] فيها من حيث إنَّ المصلي يحصل له تفكر في أمور الدنيا غالبًا، خصوصًا في أهل زماننا، فإن تفكر في صلاته أنَّه يفعل الأمر القبيح أو المكروه أو المحرم؛ يخرج من فمه ريح منتنة، فيعلم الملَك أنَّه قد هم بمعصية، فيكتبها، وإن تفكر أنَّه يفعل الأمر الحسن؛ يخرج من فمه ريح طيبة، فيعلم الملَك أنَّه قد همَّ بطاعة، فيكتبها، كما ورد ذلك في بعض الأحاديث، ويدل عليه الحديث السابق آنفًا، فإنَّه يقتضي عدم المفارقة أصلًا إلا في هذين الموضعين، وهذا يدل صريحًا أنَّ الملكين لا يفارقان العبد أصلًا إلا في الموضعين؛ فافهم.

(وليبصق عن يساره) ؛ لأنَّ اليمين لها فضل على اليسار في الجملة، (أو تحت قدمه) ؛ بالإفراد؛ أي: اليسرى، كما قيَّدَها في حديث أبي سعيد السابق، وهذا صريح في أنَّه كان في المسجد؛ بدليل قوله في أول الحديث: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة» ، والقيام إليها لا يكون إلا في المسجد، ويدل عليه أيضًا ما رواه أحمد والطبراني بإسناد حسن مرفوعًا: «من تنخع في المسجد، فلم يدفنه؛ فسيئة، وإن دفنه؛ فحسنة» ، وروى مسلم عن أبي ذر مرفوعًا: «وجدت في مساوئ أعمال أمتي النخامة تكون في المسجد لا تدفن» ، قال القرطبي: (فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل به، وبتركها غير مدفونة) انتهى.

وبهذا تعلم سقوط ما زعمه النووي وتبعه القسطلاني أنَّ هذا في غير المسجد، أمَّا المصلي في المسجد؛ فلا يبزق إلا في ثوبه؛ لأنَّ هذا تخصيص بلا مخصص، وتقييد الإطلاق بشيء مخالف؛ لظاهر حديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة الدالة صريحًا على أن ذلك كان في المسجد؛ فافهم.

وقول القسطلاني معلِّلًا بأنَّه قد قال: (إنه خطيئة، فلم يأذن فيه) ، يرده: أنه قد قال: (وكفارتها دفنها) ؛ كما في حديث أنس في الباب قبله، وقد ترجم له المؤلف بـ (باب كفارة البزاق في المسجد) ، ولا يلزم من كونها خطيئة عدم الإذن بفعلها في المسجد؛ لأنَّ قوله: (وكفارتها دفنها) دليل على الإذن فيها، وأنها إذا دفنت؛ تخرج عن كونها خطيئة، فقد حفظ شيئًا، وغاب عنه أشياء على أن قوله: (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه) دليل صريح على الإذن بفعلها، ولو لم يأذن بها؛ لم يجعل لها كفارة، ويدل عليه قوله: (فيدفنها) ؛ أي يغيبها بتراب المسجد، ورمله، وحصائه، وبذلك تخرج عن كونها خطيئة، وقوله: (فيدفنُها) ؛ بالرفع، وهو الذي في «الفرع» على أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو يدفنها، ويجوز النصب؛ لأنَّه جواب الأمر، ويجوز الجزم عطفًا على الأمر، وتأنيث الضمير فيه على تأويل البصقة التي يدل عليها قوله: (وليبصق) ، وقيل: إنَّما لم يغطها [4] ؛ لأنَّ التغطية يستمر بها الضرر؛ إذ لا يؤمن أن يجلس غيره عليها، فتؤذيه، بخلاف الدفن؛ فإنَّه يفهم منه التعميق في باطن أرض المسجد، ويؤيده ما رواه الطبراني: «فليحفر وليدفنه» ، وعند ابن أبي شيبة مرفوعًا: «إذا بزق في المسجد؛ فليحفر وليمعن» ، وفي «صحيح ابن خزيمة» : «فليبعد» ، لا يقال: إن الباب معقود على دفن النخامة، والحديث يدل على دفن البزاق؛ لأنَّا نقول: قد قلنا فيما مضى: أنه لا تفاوت بينهما في الحكم، ومطابقته للترجمة ظاهرة من قوله: (فيدفنها) ، كذا قرره إمام الشَّارحين.

قلت: ومثل دفنها بل أبلغ إلقاؤها في نعله أو بابوجه، كما هو العادة في زماننا، فإن ذلك مثل بزقه في ثوبه؛ لأنَّ مآله الخروج بها من المسجد، ثم دفنها ينبغي أن يُقيَّد بكون البزاق لم يخالطه نجس؛ كَدَمٍ من بين أسنانه، فلو تنجس؛ ينبغي أن يخرجه من المسجد؛ لأنَّه نجاسة، وقد يقال: لما كان الدفن مستلزم للحفر والتعميق، وهو يستلزم عدم ظهوره، وعدم إيذاء أحد به؛ لا بأس به؛ لأنَّه يكون في باطن أرض المسجد، والسجود على أعلاه لا يضر الصلاة، نعم، لو كان المسجد لم يوجد فيه تراب، أو رمل، أو حشيش، ونحوها؛ فإن كان البزاق باقيًا على طهارته؛ فيدلكها بشيء حتى يذهب أثرها، وإن كان متنجسًا؛ ينبغي أن يتعين عليه إخراجه من المسجد؛ لأنَّ في إبقائه إيذاء للمسجد والمصلين بالنجاسة، وهو غير جائز، ومثل دفن البزاق الطاهر دلكه في الحشيش، أو الحصير، أو غيرهما، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (وسكون) ، والمثبت موافق لما في كتب التراجم.

[2] في الأصل: (لا) ، والمثبت موافق للتلاوة.

[3] في الأصل: (دخل) ، وليس بصحيح.

[4] في الأصل: (يغطيها) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (وسكون) ، والمثبت موافق لما في كتب التراجم.

[2] في الأصل: (لا) ، والمثبت موافق للتلاوة.

[3] في الأصل: (دخل) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (وسكون) ، والمثبت موافق لما في كتب التراجم.

[2] في الأصل: (لا) ، والمثبت موافق للتلاوة.

[3] في الأصل: (دخل) ، وليس بصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت