فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 860

[حديث: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا]

378# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن عبد الرحيم) : هو الحافظ البغدادي المعروف بصاعقة (قال: حدثنا يزيد بن هارون) : هو الواسطي (قال: أخبرنا حميد) بضم الحاء المهملة (الطويل) : هو البصري، (عن أنس بن مالك) هو الأنصاري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سقط عن فرس) ؛ بدون الضمير، وفي رواية: (عن فرسه) ؛ بالضمير، فعلى الأولى؛ يحتمل أن الفرس عارية، وعلى الثانية؛ أن الفرس ملك النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي رواية أبي داود: (فصرع عنه) ؛ ومعناه: سقط أيضًا، وكان ذلك في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، (فجُحِشَت ساقه) ؛ بضم الجيم، وكسر الحاء المهملة، وفتح الشين المعجمة، من الجحش، وهو جحش الجلد؛ وهو الخدش، يقال: جحشه يجحشه جحشًا: خدشه، وقيل: أن يصيبه شيء يجحش؛ كالخدش أو أكثر من ذلك، وقيل: الجحش فوق الخدش، وقد يكون ما أصابه عليه السَّلام من ذلك السقوط مع الخدش رضٌّ في الأعضاء وتوجع، فلذلك منعه القيام للصلاة، كذا قاله إمام الشَّارحين، (أو كتفه) ؛ يعني: أو جحشت كتفه بالشك من الراوي، وفي رواية: بـ (الواو) الواصلة، وفي رواية الزهري عن أنس عند المؤلف: (فجحش شقه الأيمن) ، وعند أحمد عن حميد عن أنس بسند صحيح: (انفكت قدمه) ، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: وعند الإسماعيلي من رواية بشر بن المفضل عن حميد: (انفكت قدمه) ، كما عند أحمد، والفرق بين هذه الروايات ظاهر، وليس لأحدها شمول للأخرى، وزعم القسطلاني أن رواية المؤلف (فجحش شقه الأيمن) أشمل.

قلت: وهو غير ظاهر، فإن معناه: الجنب؛ وهو الخاصرة، فلا يشمل الكتف ولا الساق، كما لا يخفى.

(وآلى من نسائه شهرًا) ؛ أي: حلف ألَّا يدخل عليهنَّ شهرًا، والإيلاء على وزن (إفعال) ؛ هو الحلف، يقال: آلى يُولي، وتألَّى بالياء، والألية: اليمين، والجمع ألايا؛ كعطية وعطايا، وإنما عُدِّي آلى بكلمة (من) وهو لا يعدى إلا بكلمة (على) ؛ لأنَّه ضمن فيه معنى البعد، ويجوز أن تكون (من) للتعليل مع أن الأصل فيه أن تكون للابتداء؛ أي: آلى من نسائه؛ أي: بسبب نسائه ومن أجلهنَّ، كذا قاله إمام الشَّارحين.

ثم قال: (وليس المراد منه الإيلاء المتعارف بين الفقهاء؛ وهو الحلف على ترك قربان امرأته أربعة أشهر وأكثر منها عند الإمام الأعظم، وعند مالك، والشافعي، وأحمد: لا بد من أكثر، والمولي: من لا يمكنه قربان امرأته إلا بشيء يلزمه، فإن وطئها في المدة؛ كفَّر؛ لأنَّه حنث في يمينه، وسقط الإيلاء، وإلا؛ بانت بتطليقة واحدة، وكان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية، فغير الشرع حكمه، ويأتي بيان حكمه في بابه إن شاء الله تعالى) انتهى كلامه

(فجلس) عليه السَّلام (في مَشْرَبة) ؛ بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء وضمها؛ وهي الغرفة، ويقال: هي

[ص 494]

أعلى البيت شبه الغرفة، وقيل: الخزانة، وهي بمنزلة السطح لما تحتها، كذا في «عمدة القاري» ، (له) أي: ملكه عليه السَّلام (درجتها) أي: سلمها الذي يتوصل إليها (من جُذُوع النخل) ؛ بضم الجيم والذال المعجمة، جمع جِذْع _بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة_ وجمعه: جذوع وأجذاع، قاله ابن دريد، وقال الأزهري: (ولا يتبين للنخل جذع حتى يتبين ساقها) ، وفي «المحكم» : (الجذع: ساق النخلة) ، كذا قاله الشَّارح، وفي رواية: (من جُذوعٍ) فقط بضم الجيم والتنوين؛ بغير إضافة؛ والمعنى: أن هذه الغرفة مصنوعة من جذوع النخل.

(فأتاه أصحابه يعودونه) ؛ بالدال المهملة، من العيادة للمريض، (فصلى) عليه السَّلام (بهم) أي: بأصحابه (جالسًا) ؛ بالنصب على الحال، صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، كذا قاله البيهقي في «المعرفة» (وهم قيام) : جملة اسمية حالية، والقيام: جمع قائم، أو مصدر بمعنى اسم الفاعل، ففيه جواز الصلاة على السطح وعلى الخشب؛ لأنَّ المشربة بمنزلة السطح لما تحتها، والصلاة فيها كالصلاة على السطح، وبذلك قال الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وكره الحسن وابن سيرين الصلاة على الألواح والأخشاب، وكذلك روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، وكذلك روي عن مسروق: أنه كان يحمل لبنة في السفينة يسجد عليها، كذا رواه عنهم ابن أبي شيبة بسند صحيح، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقال ابن بطال: ومطابقة الحديث للترجمة في صلاته عليه السَّلام بأصحابه على ألواح المشربة وخشبها، والخشب مذكور في الترجمة، واعترضه الكرماني فقال: ليس في الحديث ما يدل على أنه صلى على الخشب؛ إذ المعلوم منه أن درجها من الجذوع لا نفسها، ويحتمل أنه ذكره لغرض بيان الصلاة على السطح؛ إذ يطلق السطح على أرض الغرفة.

ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: الظاهر: أن الغرفة كانت من خشب، فذكر كون درجها من النخل لا يستلزم أن تكون البقية من البناء، فالاحتمال الذي ذكره ليس بأقوى من الاحتمال الذي ذكرناه) انتهى.

قلت: ولا يخفى أن معنى جذوع النخل: ساقها، والساق: خشب يوضع على الجدران، يعمل منه الأسقف، والدرجة مصنوعة من تلك الجذوع، فهي مبنية من الجذوع؛ لأنَّ سقفها وجدرانها وسطحها كلها من الجذوع، فيطلق عليه أنه صلى على الخشب، وما زعمه الكرماني من أنه ليس في الحديث ... إلخ؛ ممنوع، فإن الحديث دال على ذلك، كما لا يخفى.

وقوله: (إذ المعلوم ... ) إلى آخره: ممنوع أيضًا، فإن نفس الغرفة مبنية من الجذوع؛ سقفها، وسطحها، وجدرانها، وبابها، كما لا يخفى.

وقوله: (ويحتمل ... ) إلى آخره: هذا قاصر؛ لأنَّه لا يشمل الصلاة على الخشب؛ فافهم.

(فلما سلَّم) ؛ بتشديد اللام؛ أي: فرغ من صلاته واستقبال القبلة؛ استقبل الناس، ثم (قال) لهم مبينًا حكم الإمام: (إنما جُعِل) بضم الجيم مبني للمجهول (الإمام) ؛ أي: إمامًا، وأتى بكلمة (إنما) للحصر؛ لأجل الاهتمام والمبالغة، والمفعول الثاني لقوله: (جعل) محذوف؛ تقديره: إنَّما جعل الإمام إمامًا؛ (ليؤتم) أي: لأجل أن يقتدى (به) وتتبع أفعاله، والمفعول الأول وهو قوله: (الإمامُ) قائم مقام الفاعل، ففيه دليل على وجوب المتابعة للإمام في جميع الأفعال حتى في الموقف والنية، فقال الإمام الأعظم ومالك: يضر اختلاف النية، وجعلا اختلافها داخلًا تحت الحصر في الحديث، وقال مالك: لا يضر الاختلاف بالهيئة بالتقدم في الموقف، وجعل الحديث عامًّا في ما عدا ذلك، وقال محمد بن إدريس: لا يضر اختلاف النية، وجعل الحديث مخصوصًا بالأفعال الظاهرة.

قلت: والحديث حجة على الشافعي؛ لأنَّ صلاة النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بأصحابه إنَّما كانت واحدة، وهي فرض الظهر، فاختلاف النية يضر الصلاة، وهو الظاهر من الحديث، وكذلك اختلاف الموقف، كما علم من الفروع.

(فإذا كبر) أي: الإمام للتحريمة؛ (فكبروا) ؛ أي: ليكبر من خلفه للتحريمة، وهم المقتدون به، ففيه حجة قوية، ومحجة مستقيمة لما ذهب إليه الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: أن المقتدي يكبر مقارنًا لتكبير الإمام، لا يتقدم الإمام ولا يتأخر عنه؛ لأنَّ (الفاء) معناها الحال، وهذا هو الأفضل، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن: الأفضل أن يكون تكبير المقتدي بعد فراغ تكبير الإمام؛ لأنَّ (الفاء) معناها التعقيب، فإن كبر مع الإمام؛ أجزأه عند الإمام محمد رواية واحدة ويكون مسيئًا، وكذلك في أصح الروايتين عن الإمام أبي يوسف، وفي رواية عنه: لا يصير شارعًا، ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله كاقتران حركة الخاتم والإصبع، والبعدية على قولهما أن يوصل ألف (الله) براء (أكبر) ، وقال شيخ الإسلام: قول الإمام الأعظم أدق وأجود، وقولهما أرفق وأحوط، وبقولهما قال محمد بن إدريس، وزعم الماوردي إن شرع في تكبيرة الإحرام قبل فراغ الإمام منها؛ لم تنعقد صلاته، ويركع بعد شروع الإمام في الركوع، فإن قارنه أو سابقه؛ فقد أساء، ولا تبطل صلاته، فإن سلم قبل إمامه؛ بطلت صلاته، إلا أن ينوي الإمام المفارقة، ففيه خلاف.

(وإذا ركع) أي: الإمام؛ (فاركعوا) أي: ليركع من خلفه من المقتدين، (وإذا سجد) أي: الإمام؛ (فاسجدوا) ؛ أي: ليسجد من خلفه من المقتدين، و (الفاء) في (فاركعوا) و (فاسجدوا) للتعقيب، وهو يدل على أن المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإمام بالركوع والسجود، حتى إذا سبقه فيهما أو أحدهما ولم يلحقه الإمام فيه؛ فسدت صلاته، فلا بد من اشتراكهما في أداء الركن، فلو انفرد المقتدي بركن لم يشاركه فيه إمامه؛ فسدت صلاته.

(وإن صلى) وللأصيلي: (وإذا صلى) أي: الإمام (قائمًا؛ فصلوا قيامًا) ؛ مفهومه: إن صلى قاعدًا؛ يصلي المأموم أيضًا قاعدًا، وهو غير جائز، ولا يعمل به؛ لأنَّه منسوخ لما ثبت أنه عليه السَّلام صلى في آخر عمره قاعدًا، وصلى القوم خلفه قائمين.

فإن قلت: جاء في بعض الروايات: (فإن صلى قاعدًا؛ فصلوا قعودًا) .

قلت: معناه: فصلوا قعودًا إذا كنتم عاجزين عن القيام مثل الإمام، فهو من باب التخصيص، أو هو منسوخ كما ذكرنا، كذا قاله

[ص 495]

إمام الشَّارحين.

قلت: والصحيح أنه منسوخ، خلافًا لأحمد في مباحث ستأتي.

(ونزل) عليه السَّلام من المشربة (لتسع وعشرين) يومًا، (فقالوا) أي: الصحابة: (يا رسول الله؛ إنك آليت) ؛ بفتح الهمزة وبالمد؛ أي: حلفت ألَّا تدخل على نسائك (شهرًا) ؛ يعني: والشهر ثلاثون، فكيف نزلت لتسع وعشرين؟ (فقال) عليه السَّلام لهم: (إن الشهر) : اللام فيه للعهد عن ذلك الشهر المعين (تسع وعشرون) وفي رواية: (تسعة وعشرون) ، ولا يلزم أن يكون كل الشهور تسعًا وعشرين، ففيه أن الشهر لا يأتي كاملًا دائمًا، وإن من حلف على فعل شيء أو تركه في شهر كذا فجاء الشهر تسعًا وعشرين يومًا؛ يخرج عن يمينه، فلو نذر صوم شهر بعينه فجاء الشهر تسعة وعشرين يومًا؛ لم يلزمه أكثر من ذلك، وإذا قال: لله عليه صوم شهر من غير تعيين؛ كان عليه إكمال عدد ثلاثين يومًا.

وفي الحديث أيضًا مشروعية اليمين؛ لأنَّه عليه السَّلام آلى ألَّا يدخل على نسائه شهرًا، وفيه: استحباب العبادة عند حصول الخدشة ونحوها، وفيه: جواز الصلاة جالسًا عند عدم القدرة على القيام، وهذا في حق الفرائض، أما النوافل؛ فتجوز من قعود مع القدرة على القيام، ولكن له نصف أجر القائم، واستدل أحمد ابن حنبل، وإسحاق، والأوزاعي، وابن حزم بهذا الحديث: على أن الإمام إذا صلى قاعدًا؛ يصلي من خلفه قعودًا، وقال مالك بن أنس: لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائمًا ولا قاعدًا، وقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، والثوري، وأبو ثور، ومحمد بن إدريس، والجمهور من السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائمًا، وهذا في الفرض والواجب، أما النفل؛ فتجوز صلاة القادر على القيام قاعدًا خلف القائم والقاعد؛ لأنَّ النفل يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، كما صرح به «صاحب البحر» .

قال إمام الشَّارحين: والجواب عن حديث الباب من وجوه؛ الأول: أنه منسوخ، وناسخه صلاة النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بالناس في مرض موته قاعدًا وهم خلفه قيام، وأبو بكر رضي الله عنه قائم يعلمهم بأفعال صلاته؛ بناء على أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان الإمام وأن أبا بكر كان مأمومًا في تلك الصلاة.

فإن قلت: كيف وجه هذا النسخ، وقد وقع في ذلك خلاف، وذلك أنَّ هذا الحديث الناسخ، وهو حديث عائشة فيه: أنه كان عليه السَّلام إمامًا وأبو بكر مأمومًا، وقد ورد فيه العكس، كما أخرجه الترمذي والنسائي عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: (صلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدًا) ، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح) ، وأخرج النسائي أيضًا عن حميد، عن أنس قال: (آخر صلاة صلاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع القوم؛ صلى في ثوب واحد متوشحًا خلف أبي بكر رضي الله عنه) .

قلت: مثل هذا لا يعارض ما وقع في «الصحيح» مع أن العلماء جمعوا بينهما، فقال البيهقي في «المعرفة» : ولا تعارض بين الحديثين، فإن الصلاة التي كان النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم إمامًا [فيها] هي صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان عليه السَّلام فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها عليه السَّلام حتى خرج من الدنيا.

قال: وهذا لا يخالف ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، وكشفه عليه السَّلام الستر ثم إرخائه، فإن ذلك إنَّما كان في الركعة الأولى، ثم إنه عليه السَّلام وجد في نفسه خفة، فخرج فأدرك معه الركعة الثانية.

وقال القاضي عياض: نسخ إمامة القاعد ثبتت بقوله عليه السَّلام: «لا يَؤُمنَّ أحد بعدي جالسًا» ، وبفعل الخلفاء بعده، وأنه لم يؤم أحد منهم قاعدًا وإن كان النسخ لا يمكن بعده عليه السَّلام؛ لمثابرتهم على ذلك، يشهد بصحة ذلك نهيه عليه السَّلام عن إمامة القاعد بعده.

ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا الحديث أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في «سننهما» [1] عن جابر الجعفي عن الشعبي، وقال الدارقطني: لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي، وهو متروك الحديث مرسل، لا تقوم به حجة، وقال عبد الحق في «أحكامه» : ورواه عن الجعفي مجالد، وهو أيضًا ضعيف) انتهى.

قلت: وقد يقال: المرسل حجة عند الأئمة الحنفية والجمهور، فيحتج به على ثبوت النسخ، ومراد القاضي عياض إثبات النسخ، وجوابه متضمن لشيئين: إثبات الخصوصية والنسخ، وكلاهما ثابت بهذا الحديث المرسل، وهو حجة؛ فتأمل.

ثم قال إمام الشَّارحين: (الوجه الثاني: أن الحديث كان مخصوصًا بالنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وفيه نظر؛ فإن الأصل عدم الخصوصية حتى يدل عليه دليل، كما عرف في الأصول) انتهى.

قلت: وفي النظر نظر، فإنه عليه السَّلام لما فعل ذلك، ثم نهى عنه؛ دل على أنه إما نسخ، أو خصوصية، بل الخصوصية أقرب، كما ثبت بهذا الحديث المرسل المذكور آنفًا، فهو دليل الخصوصية؛ فتأمل.

ثم قال إمام الشَّارحين: (الوجه الثالث: يحمل قوله عليه السَّلام: «وإذا صلى جالسًا؛ فصلوا جلوسًا» على أنه إذا كان الإمام في حالة الجلوس؛ فاجلسوا، ولا تخالفوه بالقيام، وكذلك إذا صلى قائمًا؛ فصلوا قيامًا؛ يعني: إذا كان الإمام في حالة القيام؛ فقوموا، ولا تخالفوه بالقعود، وكذلك في قوله: «فإذا ركع؛ فاركعوا، وإذا سجد؛ فاسجدوا» ) انتهى.

قلت: يعني: فحينئذ يكون المراد بذلك المتابعة للإمام في أفعاله من حيث الأركان لا من حيث الاقتداء على هيئته في القعود، والمؤتم مثله، ويحتمل أن يكون المراد به الاقتداء في أثناء الصلاة؛ يعني: متى أدركتم الإمام في القيام؛ فوافقوه، وإن في الجلوس؛ فكذلك، وهكذا؛ فتأمل.

ثم قال إمام الشَّارحين: (ولقائل أن يقول: لا يقوى الاحتجاج على أحمد ابن حنبل بحديث عائشة المذكور: أنه عليه السَّلام صلى جالسًا والناس خلفه قيام، بل ولا يصلح حجة؛ لأنَّه لا تجوز صلاة القائم خلف من شرع في صلاته قائمًا، ثم قعد لعذر، ويجعلون هذا منه عفوًا، سيما وقد ورد في بعض طرق الحديث: أنه عليه السَّلام أخذ في القراءة من حيث انتهى إليه أبو بكر، رواه الدار قطني في «سننه» ، وأحمد في «مسنده» ) انتهى.

قلت: وقد يقال: الاحتجاج به قوي، ويجعل هذا كمن سبقه الحدث في الصلاة واستخلف

[ص 496]

واحدًامن المقتدين به؛ ليتم بهم صلاتهم، يدل عليه شروعه في الصلاة قائمًا، ثم عرض له العذر المفضي للقعود، فصار أبو بكر مستخلفًا، فإنه عليه السَّلام لما عرض له العذر؛ استخلف أبا بكر، فهو صحيح تجوز الصلاة حينئذ؛ فتأمل.

ثم قال إمام الشَّارحين: ورواية الدارقطني وأحمد مرسلة؛ لأنَّها ليست من رواية ابن عباس عن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما أوردها ابن عباس، عن أبيه العباس، عن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وكذلك رواه البزار في «مسنده» بسند فيه قيس بن الربيع، وهو ضعيف، قال: وكان ابن عباس كثيرًا ما يرسل، كذا قاله ابن القطان في كتابه «الوهم والإيهام» ، ورده إمام إمام الشَّارحين فقال: (ورواه ابن ماجه من غير طريق قيس، فقال: حدثنا علي بن محمد: حدثنا وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس: لما مرض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ فذكره ... إلى أن قال: (قال ابن عباس: وأخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في القراءة من حيث بلغ أبو بكر) انتهى.

قلت: وقد يقال: إن فيه الرواية تخالفًا، فمفاد الأولى: أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم استخلف أبا بكر، وهذه أبو بكر استخلف النبيَّ الأعظم عليه وسلم، والرواية الصحيحة الأولى وإن كانت مرسلة، وفي بعض طرقها ضعيف، لكن لما كثرت طرقها؛ تقوت؛ فتأمل.

وزعم الخطابي أن أبا داود ذكر هذا الحديث من رواية جابر، وأبي هريرة، وعائشة، ولم يذكر صلاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام، وهذا آخر الأمرين من فعله عليه السَّلام، ومن عادة أبي داود فيما أنشأه من أبواب كتابه أن يذكر الحديث في بابه، ويذكر الذي يخالفه في باب آخر على إثره، ولم أجده في شيء من النسخ، فلست أدري كيف أغفل ذكر هذه القصة، وهي من أمهات السنن، وإليه ذهب أكثر الفقهاء؟

ورده إمام الشَّارحين فقال: (إما [2] تركها سهوًا وغفلة، أو كان رأيه في هذا الحكم مثل ما ذهب إليه أحمد؛ فلذلك لم يذكر ما ينقضه) انتهى.

قلت: والظاهر الثاني ولا عبرة بذلك، فإن القصة ثابتة في «الصحيحين» ، وهما أقوى وأصح الكتب، وما في غيرهما لا يقاوم في ما فيهما، والحاصل: أن الحجة قوية على أحمد ومن تبعه، وأن ما ذهب إليه منسوخ أو مخصوص، وسيأتي لذلك مزيد كلام إن شاء الله تعالى.

[1] في الأصل: (سنتيهما) .

[2] في الأصل: (لما) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (سنتيهما) .

[1] في الأصل: (سنتيهما) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت