[حديث: كان رجال يصلون مع النبي عاقدي أزرهم على أعناقهم]
362# وبالسند إليه قال: (حدثنا مُسدد) ؛ بضم الميم: هو ابن مسرهد (قال: حدثنا يحيى) : هو ابن سعيد القطان، (عن سفيان) : هو الثوري، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يكون سفيان بن عيينة؛ لأنَّهما يرويان عن أبي حازم، ورده إمام الشَّارحين فقال: (نص المزي في «الأطراف» : أنه سفيان الثوري) انتهى.
قلت: ولا يلزم من كونهما يرويان عن أبي حازم أن يكون ابن عيينة، فاحتمال الكرماني غير صحيح؛ فافهم.
(قال: حدثني) ؛ بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت: (حدثنا) (أبو حازم) ؛ بالحاء المهملة والزاي: هو سَلَمَة _بفتحات_ ابن دينار الأعرج، الزاهد، المدني، (عن سهل) : زاد الأصيلي: (ابن سعد) : هو أبو العباس، الساعدي الأنصاري الخزرجي (قال) أي: سهل: (كان رجال) ؛ أي: الصحابة، زعم الكرماني أن التنكير فيه؛ للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان يخالف ذلك، وهو كذلك، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ما في رواية أبي داود المذكورة يرد ما ذكره؛ لأنَّ في روايته: «رأيت الرجال» ؛ بالتعريف) انتهى.
قلت: والمقام يقتضي أن جميع الرجال؛ أي: الصحابة لا يخالف بعضهم بعضًا؛ لأنَّهم أشد الاتباع له عليه السَّلام لا سيما في الصلاة معه بالجماعة، فإنه لم ينقل تخلف بعضهم عنها، حتى قال بعض علمائنا: (إن الجماعة واجبة) ، وقال أحمد: (إنها فرض) ؛ فافهم.
(يصلون مع النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ أي: الصلوات الخمس، وجملة: (يصلون) خبر (كان) (عاقدي أُزْرهم) ؛ بضم الهمزة، وسكون الزاي، جمع إزار: وهو الملحفة، والجمع آزرة وأزر، وهو يذكر ويؤنث، وسمي به؛ لأنَّه يشد به الظهر، وأصل (عاقدي) : عاقدين، فلما أضيف؛ سقطت النون منه، والجملة محلها نصب على الحال، ويجوز أن يكون انتصابها على أنها خبر (كان) ، ويكون قوله: (يصلون) في محل النصب على الحال؛ فافهم.
(على أعناقهم) : جمع عنق؛ وهو موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث، (كهيئة الصبيان) : وفي رواية «أبي داود» : (كأمثال الصبيان) ، والمعنى قريب.
قال إمام الشَّارحين رحمه الله تعالى: ذكر البخاري هذا الحديث في أول (باب عقد الإزار على القفا) معلقًا؛ حيث قال: (وقال أبو حازم عن سهل: صلوا مع النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم عاقدي أزرهم على عواتقهم) ، وأخرجه هنا مسندًا، كما رأيت، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، ولفظ أبي داود: عن سهل بن سعد قال: (رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الصلاة كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء؛ لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال) انتهى، ثم قال:
[ص 458]
(وفي الحديث: أن الثوب إذا كان يمكن الالتحاف به؛ كان أولى من الائتزار به؛ لأنَّه أبلغ في الستر) انتهى.
(وقال) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي رواية أبي داود: (فقال قائل) ، وهذا القائل أعم من أن يكون النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أو غيره بأمره، ويؤيده رواية الكشميهني: (ويقال) ، وفي رواية النسائي: (فقيل) ، وروى أبو داود ثم البيهقي من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول للنساء: «من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهية أن يرين عورات الرجال» ، وهذا فيه التصريح بأن القائل النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، كذا قاله إمام الشَّارحين الشيخ بدر الدين العيني رضي الله عنه، وزعم ابن حجر أن الذي يغلب على الظن أن القائل: بلال، انتهى.
قلت: وهذا فاسد، فأين غلبة ظنه مع تصريح السيدة أسماء الصديقة بسماعها قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للنساء؟! وما هذا إلا خبط وتخبيط، وكأنه لم يطلع على ما ذكره إمام الشَّارحين حتى قال ما قال: ومن الذي يجسر بحضرة النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أن يأمر بأمر أو ينهى بنهي؟! وقول من قال: إنه أمر بأمر النبيِّ عليه السَّلام له؛ دعوى بلا دليل، فإنه إذا لم يثبت القائل؛ فكيف يدِّعي الأمر له، وما هذا إلا خلط عظيم، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، والحق أحق أن يتبع.
(للنساء) ؛ أي: نساء الصحابة اللاتي يصلين وراء الرجال مع النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، (لا ترفعن رؤوسكن) أي: من السجود (حتى يستوي الرجال جلوسًا) : جمع جالس؛ كالركوع جمع راكع، أو مصدر بمعنى: جالسين، وعلى كل حال فانتصابه على الحال، وإنما نهى النساء عن ذلك؛ لئلا يلمحن عند رفعهنَّ من السجود شيئًا من عورات الرجال، كما وقع التصريح فيه في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق المروي عند أبي داود، كما تقدم، وكذا عند أحمد بلفظ: «فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهة أن يرين عورات الرجال» .
وفي الحديث: دليل على أن المصلي إذا خشي ارتكاب محذور بفعل الواجب؛ يتركه؛ لأنَّ متابعة الإمام في الأركان واجبة، فنهى عنها عليه السَّلام لما يترتب عليها من المفسدة؛ لأنَّ درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة من قواعد الأئمة الحنفية رضي الله عنهم، وفي الحديث أيضًا: أنه لا يجب الستر من أسفل عند السجود بخلاف الأعلى، وفيه أيضًا: أنه إذا الرجل نظر عورة المصلي؛ لا يفسد صلاته، وفيه: أن النساء يصلين خلف الرجال، ويدل عليه قوله عليه السَّلام: «أخروهن من حيث أخرهن الله ... » ؛ الحديث، وفيه: أن النساء لا يصلين وحدهن بالجماعة؛ لأنَّه عليه السَّلام لم يأمرهن بذلك، فإن فعلن؛ كره تحريمًا، وتقف الإمام وسطهن، وفيه: أن النساء تخرج لصلاة الجماعة في المسجد، وفيه خلاف؛ فبعضهم قال: يخرجن في صلاة الفجر وصلاة العشاءين؛ لأنَّ الفسقة في الأولى: نائمون، وفي الثانية: آكلون، وبعضهم قال: لا يخرجن مطلقًا؛ لفساد الزمان، وهذا هو المتعين؛ لما يشاهد من الفساد، وعليه الجمهور، والله تعالى أعلم.