[حديث: إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكًا يقول: يا رب نطفة]
318# وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثنا حمَّاد) هو ابن زيد البصري، (عن عُبِيد الله) بضمِّ العين المهملة، بلفظ التصغير (ابن أبي بكر) هو ابن أنس بن مالك الأنصاري، (عن أنس بن مالك) هو جده الأنصاري، يروي عنه، (عن النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنه (قال: إن الله عز وجل وكَّل) ؛ بالتشديد كما في قوله تعالى: {مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11] من التوكيل، يقال: وكل زيد عمرًا بكذا؛ إذا فوض إليه.
وزعم ابن حجر أن في روايته بالتخفيف؛ مِن وكله؛ إذا استكفاه إياه، وصرف أمره إليه، انتهى.
قلت: ليت شعري؛ هل روى هذا عن البخاري نفسه أم عن الفربري؟! وكيف يقول بالتخفيف، وقد جاءت الرواية بالتشديد عند جميع الرواة وبها جاء التنزيل؟! لا يقال: من حفظ حجة على من لم يحفظ؛ لأنا نقول رواية التخفيف شاذة، ولو كانت غير شاذة؛ لذكرها بعض الرواة، فعدم ذكرها من أحدهم دليل على عدم وجودها أو على شذوذها، والحق أنها غير موجودة أصلًا، فقد زاد هذا القائل في الطنبور نغمة؛ فافهم.
(بالرحم) ؛ هو وعاء الولد وله ثلاثة أفواه، وقيل: خمسة، وقيل: أكثر، فإذا سقطت النطفة؛ بادرت تلك الأفواه بالاجتذاب منها، فإن جذب واحد؛ جاء ولد واحد، وإن أخذ اثنان؛ جاء ولدان، وهكذا يخلق الله ما يشاء بحكمته (ملكًا) بالنصب، وناصبه قوله: (وكل) ؛ وهو جسم لطيف نوراني يتشكل بأشكال مختلفة (يقول) جملة من الفعل والفاعل، وهو الذي فيه يرجع إلى الملك في محل نصب؛ لأنَّها صفة الملك، وظاهر قوله: (إن الله ... ) إلخ يدل على أن بعثه إليه عند وقوع النطفة في الرحم، وفيه اختلاف الروايات سيأتي بيانها؛ فافهم، فليحفظ.
(يارب) ؛ بحذف ياء المتكلم، وفي مثله يجوز: يا ربي، ويا رب، ويا رباه؛ بالهاء وقفًا، (نُطفة) ؛ بضمِّ النون، قال الجوهري: النطفة: الماء الصافي، قل أو كثر، والجمع النطاف، ونطفان الماء؛ سيلانه، وقد نطف ينطُف، وينطِف من باب (نصر ينصر) ، و (ضرب يضرب) ، وليلة نطوف تمطر إلى الصباح، ويقال: جمع النطفة: نطف أيضًا، وكل شيء خفي نطفة ونطافة، حتى إنهم يسمون الشيء الخفي بذلك، وأصله للماء القليل يبقى في الغدير، أو السقاء، أو غيره من الآنية، ويقال له ما دام نطفة: صراة، ذكره صاحب «عمدة القاري» ، ثم قال: ويجوز في (نطفة) الرفع والنصب، أما النصب؛ فهو رواية القابسي، ووجهه أن يكون منصوبًا بفعل مقدر؛ تقديره: جعلت المني نطفة في الرحم، أو خلقت نطفة، وأما وجه الرفع؛ فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: يا رب؛ هذه نطفة، والرفع رواية غير القابسي؛ فافهم.
(يا رب) بحذف ياء المتكلم كما سبق (علقة) ؛ بفتح اللام، وهي الدم الجامد الغليظ، ومنه قيل لهذه الدابة التي تكون في الماء: علقة؛ لأنَّها حمراء؛ كالدم، وكل دم غليظ علق، قاله الأزهري، وذكر في «الموعب» : (أن العلق: الدم ما كان) ، وقيل: هو الجامد قبل أن ييبس، وقيل: هو ما اشتدت حمرته، والنطفة منه علقة، وفي «المغيث» : (هو ما انعقد قبل اليابس، كأن بعضه علق ببعض تعقدًا ويبسًا [1] ) ، كذا قاله إمام الشارحين، ثم قال: (ويجوز في «علقة» النصب والرفع) كما قدمناه؛ فافهم.
(يا رب) بحذف ياء المتكلم كذلك (مضغة) قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنا لا نتغافل المضغ بيننا؛ يعني: أراد الجراحات، وسماها مضغًا على التشبيه بمضغة الإنسان في حلقه، يذهب بذلك إلى تصغيرها وتقليلها، وقال الجوهري: المضغة: قطعة لحم، وفي «الغريبين» وجمعها: مضغ، ويقال: مضيغة، ويجمع على مضائغ، ويقال: المضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ، كذا في «عمدة القاري» ، وفيه: أنه يجوز في (مضغة) الرفع والنصب، كما سبق.
فإن قلت: كيف يكون الشيء الواحد نطفة، علقة، مضغة؟
قلت: هذه الأخبار الثلاثة تصدر من الملك في أوقات متعددة لا في وقت واحد، ولا يقال: ليس فيه فائدة الخبر، ولا لازمه؛ لأنَّ الله علام الغيوب؛ لأنا نقول: هذه إنَّما تكون إذا كان الكلام جاريًا على ظاهره، أما إذا عدل عن الظاهر؛ فلا يلزم أحد المذكورين، وههنا المراد: التماس إتمام خلقه أو الدعاء بإقامة الصورة الكاملة عليه، أو المراد: الاستعلام عن ذلك، ونحوها، ومثل هذا كثير واقع في القرآن أيضًا في قوله تعالى حكاية عن أم مريم عليها السلام: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى} [آل عمران: 36] ؛ فإنه يكون للاعتذار وإظهار التأسف والحزن) انتهى كلامه رحمه الباري.
(فإذا أراد) أي: الخالق تبارك وتعالى (أن يقضي) أي: يتم، وفي رواية الأصيلي: (فإذا أراد الله أن يقضي) (خلقه) أي: خلق ما في الرحم من النطفة التي صارت علقة، ثم صارت مضغة، ويجيء (القضاء) بمعنى: الفراغ أيضًا، كذا في «عمدة القاري» ، وفيه:(وجه تطابق هذا الحديث للترجمة أنه يفسر المخلقة وغير المخلقة، فإن قوله هنا: «فإذا أراد أن يقضي خلقه» هو المخلقة وبالضرورة يعلم منه أنه إذا لم يرد خلقه؛ تكون غير مخلقة، وقد بين ذلك حديث رواه الطبري بإسناد صحيح من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا وقعت النطفة في الرحم؛
[ص 359]
بعث الله ملكًا، فقال: يا رب؛ مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة؛ مجها الرحم دمًا، وإن قال: مخلقة؛ قال: يا رب؛ فما صفة هذه النطفة؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب، وهو موقوف لفظًا مرفوع حكمًا؛ لأنَّ الإخبار عن شيء لا يدركه العقل محمول على السماع) انتهى كلامه رحمه الباري
(قال) أي: الملك: (أذكر) هو (أم أنثى؟) فـ (ذكر) مبتدأ أو خبر، وعلى كونه خبرًا تكون لفظة (هو) المقدرة مبتدأ، ولا يقال: النكرة لا تقع مبتدأ؛ لأنَّ فيه من المسوغ لوقوعها مبتدأ هي كونها قد تخصصت بثبوت أحدهما؛ إذ السؤال فيه عن التعيين؛ فصلح الابتداء به وهو من جملة المخصصات؛ لوقوع المبتدأ نكرة، وفي رواية الأصيلي: (أذكرًا) ؛ بالنصب، ووجهها إن صحت الرواية بها؛ أي: أتريد أو تخلق ذكرًا؟ كذا قرره صاحب «عمدة القاري» ، (أشقي) هو؛ أي: عاصي لك يا رب (أم سَعِيْد) أي: مطيع لك، فـ: (شقي) مبتدأ أوخبر، كما سبق، وسوغ الابتداء به [2] وإن كان نكرة؛ لتخصيصه بثبوت أحد الأمرين؛ لأنَّ السؤال فيه عن التعيين، وفي رواية الأصيلي: (شقيًّا أم سَعِيْدًا) ؛ بالنصب على تقدير: أتريد أو تخلق؟
فإن قلت: (أم) المتصلة ملزومة لهمزة الاستفهام، فأين هي؟
قلت: هي مقدرة، ووجودها في قرينتها يدل عليه، كما في قول الشاعر:
بسبع رمين الخمر أم بثمان ...
أي: أبسبع، انتهى.
(فما الرزق) أي: الحظ؛ لأنَّ الرزق في كلام العرب: الحظ، قال عز وجل: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] ؛ أي: حظكم من هذا الأمر، والحظ: هو نصيب الرجل، وما هو خاص به دون غيره، وقيل: الرزق: كل شيء يؤكل، أو يستعمل، وهذا باطل؛ لأنَّ الله تعالى أمرنا بأن ننفق ما رزقنا، فقال عز وجل: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم} [المنافقون: 10] ، فلو كان الرزق هو الذي يؤكل؛ لما أمكن إنفاقه، وقيل: الرزق: هو ما يملك وهو لا يملك الولد والزوجة، وأما في عرف الشرع؛ فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسن البصري: الرزق: هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، والحظر على غيره؛ أي: منعه من الانتفاع به، ولما فسرت المعتزلة الرزق بهذا؛ قالوا: الحرام لا يكون رزقًا، وقال أهل السنة: الحرام رزق؛ لأنَّه في أصل اللغة: الحظ والنصيب لما ذكرنا، فما انتفع بالحرام؛ فذلك الحرام حظًّا له ونصيبًا، فوجب أن يكون رزقًا، وأيضًا قال الله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] ، وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقول طول عمره لم يأكل من رزقه شيئًا، كذا قرره في «عمدة القاري» ، (وما الأجل) ويروى: (والأجل) ؛ بدون كلمة (ما [3] ) ، و (الأجل) : هو الزمان الذي علم الله أن الشخص يموت فيه، أو مدة حياته؛ لأنَّه يطلق على غاية المدة وعلى المدة، كذا في «عمدة القاري» ، (فيكتب) على صيغة المعلوم، قيل: الضمير الذي هو فاعله هو الله تعالى، وقيل: يرجع إلى الملك، ويروى على صيغة المجهول، وهذه الكتابة يجوز أن تكون حقيقة؛ لأنَّها أمر ممكن، والله على كل شيء قدير، ويجوز أن تكون مجازًا عن التقدير، كذا قرره إمام الشارحين، ثم قال: (وبيان هذا في حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود يرفعه: «أن النطفة إذا استقرت في الرحم؛ أخذها الملك بكفه، قال: أي رب؛ ذكر أم أنثى؟ ما الأمر؟ بأي أرض تموت؟ وقال له: انطلق إلى أم الكتاب؛ فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد صفتها في أم الكتاب» ) انتهى، وفي رواية الأصيلي: (قال: فيكتب) (في بطن أمه) ظرف لقوله: (يكتب) وهو المكتوب فيه، والشخص هو المكتوب عليه، كما تقول: كتبت في الدار، فإن في الدار ظرف؛ لقوله: كتبت، والمكتوب عليه خارج عن ذلك؛ والتقدير أزلي: وهو أمر عقلي محض، ويسمى قضاء، والحاصل في البطن تعلقه بالمحل الموجود، ويسمى قدرًا، والمكتوب: هو الأمور الأربعة المذكورة، كذا في «عمدة القاري» .
وقد أوعدناك في اختلاف الرواية في بعثة الملك إلى الرحم، فظاهر الحديث هنا: يدل على أن بعثة الملك إليه عند وقوع النطفة في الرحم، وذكر في الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سَعِيْد» ، وظاهر هذا: إرسال الملك بعد الأربعين الرابعة، وفي رواية: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا رب؛ شقي أم سَعِيْد؟» ، وعند مسلم: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون، أو ثلاثة وأربعون، أو خمسة وأربعون» ، وفي أخرى: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة؛ بعث الله إليها ملكًا يصورها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها» ، وفي رواية حذيفة بن أُسَيْد: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك» ، وفي أخرى: «إن ملكًا وكل بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا؛ يأذن له لبضع وأربعين ليلة» ، وجمع العلماء بين هذا الاختلاف بأن الملائكة لازمة ومراعية لحال النطفة في أوقاتها، وأنه يقول: هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة في أوقاتها، وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو أعلم، ولكلام الملك وتصرفه أوقات؛ أحدها: حين يكون نطفة، ثم ينقلها علقة وهو أول علم الملك أنه ولد؛ إذ ليس كل نطفة تصير ولدًا، وذلك عقيب الأربعين الأولى، وحينئذٍ يكتب رزقه، وأجله، وشقي أو سَعِيْد، ثم للملك فيه تصرف آخر، وهو تصويره وخلق سمعه، وبصره، وكونه ذكرًا أو أنثى، وذلك إنَّما يكون في مدة الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة، وقبل انقضاء هذه الأربعين، وقبل نفخ الروح فيه؛ لأنَّ النفخ لا يكون إلا بعد تمام صورته، والرواية السالفة (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة) ليست على ظاهره، بل المراد تصورها، وخلق سمعها إلى آخره، وأنه يكتب ذلك، ثم يفعله في وقت آخر؛ لأنَّ التصور عقيب الأربعين الثالثة حتى يكمل له أربعة أشهر، ودخوله في الخامس.
واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وقال الراغب: (ذكر الأطباء: أن الولد إذا كان ذكرًا؛ يتحرك بعد ثلاثة أشهر، وإن كان أنثى؛ بعد أربعة أشهر) .
فإن قلت: وقع في رواية البخاري: «أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وأجله، وشقي أم سَعِيْد،
[ص 360]
ثم ينفخ فيه الروح»، فأتى فيه بكلمة (ثم) التي هي تقتضي التراخي في الكتب إلى ما بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث الثانية تقتضي الكتب عقيب الأربعين الأولى.
قلت: أجيب: بأن قوله: «ثم يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات فيكتب ... » معطوف على قوله: «فيجمع في بطن أمه» ، ومتعلقًا به، لا بما قبله، وهو قوله: «ثم يكون مضغة مثله» ، ويكون قوله: «ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله» معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن، والفصيح، وكلام العرب.
وقال القاضي عياض: (والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء: أمره بها والتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا؛ فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم ملكًا، وأنه يقول: يا رب؛ نطفة، يا رب؛ علقة، وقوله في حديث أنس: «وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا؛ قال: يا رب؛ أذكر أم أنثى؟» لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام، وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد خلق النطفة علقة؛ كان كذا وكذا، ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق، والأجل، والشقاوة، والسعادة، والعمل، والذكورة، والأنوثة يظهر ذلك للملك، فيأمره بإنفاذه، وكتابته، وإلا؛ فقضاء الله، وعلمه، وإرادته سابق على ذلك) انتهى.
ذكر ما يستنبط منه: قال إمام الشارحين: (اعلم: أن هذا الحديث جامع لجميع أحوال الشخص؛ إذ فيه بيان حال المبدأ؛ وهو ذاته ذكرًا أو أنثى، وحال المعاد؛ وهو الشقاوة، والسعادة، وما بينهما؛ وهو الأجل، وما يتصرف فيه؛ وهو الرزق، وقد جاء أيضًا: «فرغ الله من أربع: من الخَلق، والخُلق، والأجل، والرزق» ، والخَلق _بفتح الخاء المعجمة_ إشارة إلى الذكورة والأنوثة، وبضمِّها إلى السعادة وضدِّها) .
وقال المهلب: (إن الله تعالى علم أحوال الخلق قبل أن يخلقهم) ، وهو مذهب أهل السنة، وأجمع العلماء على أن الأمة تكون أم ولد بما أسقطته من ولد تام الخلق، واختلفوا فيمن لم يتم خلقه من المضغة والعلقة، فقال مالك والأوزاعي: تكون بالمضغة أم ولد مخلقة كانت أو غير مخلقة، وتنقضي بها العدة، وعن أبي القاسم: تكون أم ولد بالدم المجتمع، وعن أشهب: لا تكون به أم ولد وتكون بالمضغة والعلقة، وقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين، والجمهور، وأصحابه، والشافعي: إن كان قد تبين في المضغة شيء من الخلق إصبع أو غير ذلك؛ فهي أم ولد، وعلى مثل هذا انقضاء العدة، وإلا؛ فلا.
وقال القاضي عياض: (ولم يختلف أن نفخ الروح فيه يكون بعد مئة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يقول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستحقاق، ووجوب النفقات، وذلك للنفسة بحركة الجنين في الجوف، وقيل: إن الحكمة في عدتها من الوفاة بأربعة أشهر والدخول في الخامس تحقُّقُ براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل، ونفخ الملك في الصورة سبب لخلق الله عنده فيها الروح والحياة؛ لأنَّ النفخ المتعارف إنَّما هو إخراج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدر شيء عند ذلك النفخ؛ فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون سببًا عادة لا موجبًا عقلًا، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة، والله أعلم) انتهى، وهو حسبي ونعم الوكيل الله.
[1] في الأصل: (يعقدًا وييبسًا) ، وهو تحريف.
[2] (به) : تكرر في الأصل.