فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 860

[حديث: نعم إذا رأت الماء]

282# وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي (قال: أخبرنا مالك) ؛ هو ابن أنس الأصبحي، (عن هِشام) بكسر الهاء (بن عُروة) ؛ بضمِّ العين المهملة، (عن أبيه) : هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن زينب بنت أبي سَلَمَة) ؛ بفتح السين المهملة، وفتح اللام، والميم، واسمه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أحد السابقين أخو النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من الرضاعة، وذكر المؤلف هذا الحديث في باب (الحياء في العلم) ، وفيه زينب بنت أم سَلَمَة فنُسِبت زينب هناك إلى أمها وهنا إلى أبيها، فزينب هي أخت سَلَمَة، فكنى كل واحد من أم زينب وأبيها بسَلَمَة، فلذلك تنسب زينب تارة إلى أبيها ببنت أبي سَلَمَة، وتارة إلى أمها ببنت أم سَلَمَة والمعنى واحد، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» ، (عن أم سَلَمَة) وهي هند بنت أبي أمية، واسمه: حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي أم المؤمنين زوج النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وكانت قبله عند أبي سَلَمَة المذكور (أنها قالت) أي: أم سَلَمَة: (جاءت أم سُلَيم) ؛ بضمِّ السين المهملة، وفتح اللام؛ مصغرًا، واختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميسة، وقيل: مليكة، وقيل: الغميصاء، والأول هو المشهور، وقيل: الرميصاء، وأنكره أبو داود، وقال: الرميصاء أختها، وعند ابن سعد: (أنيفة) ، وأنكره ابن حبان، وأم سليم هي بنت ملحان الخزرجية النجارية والدة أنس بن مالك، كانت فاضلة دينة، أسلمت مع السابقين من الأنصار، وكان عليه السلام يزورها فتتحفه بشيء تصنعه له ولأصحابه في كل جمعة رضي الله عنها، (امرأة أبي طلحة) بدل من (أم سُليم) ، أو عطف بيان، أو خبر لمبتدأ محذوف، واسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النقيب كبير القدر، بدري مشهور رضي الله تعالى عنه (إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) لأجل لأنَّ تسأله.

قال في «عمدة القاري» : (وهذا الحديث أخرجه الستة، واتفق الشيخان على إخراجه من طرق عن هشام بن عروة، عن أم سَلَمَة، ورواه أبو داود عن الزُّهري، قال: قال عروة عن عائشة:(أن أم سُليم ... ) ؛ الحديث، وأخرجه مسلم من طريق الزُّهري عن عائشة، وكذلك رواه أبو عقيل، والزبيدي، ويونس، وابن أخي الزُّهري، وابن أبي الوزير، عن مالك، عن الزُّهري، ووافق الزُّهري مسافع الحجبي، قال: عن عروة، عن عائشة، وأما هشام بن عروة؛ فقال عن عروة، عن زينب بنت أبي سَلَمَة، عن أم سَلَمَة: أن أم سُليم).

قال القاضي عياض عن أهل الحديث: (إنَّ الصحيح أن القصة وقعت لأم سَلَمَة لا لعائشة) ، ونقل ابن عبد البر عن الذهلي [1] أنه صحح الروايتين.

قال صاحب «عمدة القاري» : (قلت: قول عياض يرجح رواية هشام بن عروة، وقول أبي داود عن مسافع يرجح رواية الزُّهري) .

وقال النووي: (يحتمل أن تكون عائشة وأم سَلَمَة جميعًا أنكرتا على أم سُليم) انتهى.

قلت: وأخرج مسلم عن أنس قال: (جاءت أم سُليم إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت له وعائشة عنده ... ) ؛ فذكر نحوه، وروى أحمد عن أم سُليم وكانت مجاورة لأم سَلَمَة، فقالت أم سُليم: (يا رسول الله؛ ... ) ؛ الحديث، وفيه: أن أم سَلَمَة هي التي راجعتها، وهذا يقوي رواية هشام،

[ص 302]

ويمكن الجمع بما قاله النووي، وعلله ابن حجر: (بأنه لا يمتنع حضور عائشة وأم سُليم عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في مجلس واحد) انتهى.

قلت: وهو غير ظاهر، بل يمتنع ذلك؛ لأنَّ عائشة قد سألته عليه السلام حين كان في بيتها في نوبتها، وأم سُليم كذلك؛ لأنَّ القصة مختلفة، كما لا يخفى.

وقال النووي في «شرح المهذب» : (والجمع بين الروايات أن يقال: بأن أنسًا، وعائشة، وأم سَلَمَة حضروا القصة) انتهى.

قلت: أي: حضر كل واحد قصة سؤال نفسه دون غيره.

وزعم ابن حجر أن الذي يظهر أن أنسًا لم يحضر القصة، وإنما تلقى ذلك من أمه أم سُليم، وفي «صحيح مسلم» ما يشير إليه.

قلت: هذا غير ظاهر، بل أنس سأل ذلك من النبيِّ عليه السلام؛ لأنَّه كان كثير [2] الملازمة له، فكيف يتصور أنه يسأل أمه ويترك سؤال النبيِّ عليه السلام؟

وقوله: (وفي «صحيح مسلم» ... ) إلخ، والذي في «صحيح مسلم» يدل على أن أنسًا سأل ذلك منه عليه السلام، وليس فيه أنه لم يحضر القصة وأنه تلقى من أمه.

وروى أحمد عن ابن عمر قال: جاءت أم سُليم إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو لا يدل على أنه تلقَّى ذلك منها، بل هو إخبار عنها بالسؤال المذكور، ولا ريب أن القصة متعددة، ويدل لذلك ما رواه النسائي، وأحمد، وابن ماجه: أن خولة بنت حكيم قد سألت هذا السؤال، وعند الطبراني: أن السائلة سهلة بنت سهل، وعند ابن أبي شيبة: أن السائلة سبرة بنت صفوان، فهذا يدل على اختلاف القصة وتعددها، وزعم العجلوني أنه لا مانع من الجمع) انتهى.

قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ السؤال وإن كان واحدًا إلا أن السائل متعدد مختلف، وبعيد أن يكونوا جميعًا قد حضروا مجلسه عليه السلام؛ لأنَّ في السائلين أنسًا [3] وابن عمر، وهما لا يمكن حضورهما بين النساء في حضرته عليه السلام، ولا في غيرها، فثبت أن القصة متعددة، كما لا يخفى؛ فافهم.

(فقالت) أي: أم سُليم: (يا رسول الله؛ إن الله تعالى) وقوله: (لا يستحي) جملة محلها الرفع خبر (إنَّ) وهو باليائيين على الأفصح (من الحق) ضد الباطل؛ أي: لا يمتنع من ذكره، أو لا يأمر بالحياء فيه؛ لأنَّه محال على الله عز وجل؛ لأنَّه تغير وإنكسار يعتري الإنسان عند خوف ما يعاب أو يذم، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه مما يستحي النساء عادة من السؤال عنه؛ لأنَّ نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال، فيكون قولها هذا تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يستحي منه، والمراد به معناه اللغوي؛ لأنَّ الحياء الشرعي كله خير، وإذا كان الحياء محالًا على الله عز وجل؛ يكون جاريًا على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية [4] ، كما في حديث سلمان، قال عليه السلام: «إن الله حيي [5] كريم يستحي إن رفع [6] العبد يديه أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا» ، وقال ابن دقيق العيد: (قيل: لا يحتاج إلى التأويل في النفي، بل في الإثبات، لكن لما كان المفهوم يقتضي أنه يستحي من غير الحق رجع إلى الإثبات، فاحتيج إلى تأويله؛ فتأمل) ، (هل) للاستفهام يجب (على المرأة) وكذا على الرجل؛ لأنَّ حكمه عليه السلام على الواحد كحكمه على الجماعة إلا إذا دل دليل على التخصيص؛ فليحفظ، (من غسل) ؛ بضمِّ الغين المعجمة، وفي رواية بفتحها، وكلمة (من) زائدة في المبتدأ أو الفاعل؛ لوجود شرطها، وقد سقطت عند المؤلف في (الأدب) ، وثبتت في باب: (الحياء في العلم) ، (إذا هي احتلمت) ؛ أي: الاحتلام، (افتعال) من الحُلُم؛ بضمِّتين [7] ، وقد تسكن اللام؛ وهو ما يراه النائم في منامه، يقال منه: حلَم؛ بالفتح، واحتلم.

زعم ابن حجر أن المراد به هنا: أمر خاص منه؛ وهو الجماع، انتهى.

قلت: وهو قاصر؛ لأنَّه لا يشمل رؤية الماء، والتحقيق أن المراد منه الأعم، وقد رأيت العجلوني اعترض على ابن حجر في كلامه هذا، فقال: الظاهر أن المراد أعم منه، وإن كان في بعض روايات الحديث التقييد بذلك، فعند أحمد عن أم سَلَمَة أنها قالت: (يا رسول الله؛ إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟) .

قلت: لكن أكثر الروايات الإطلاق حتى عند أحمد، فقد نقل عنه صاحب «عمدة القاري» أن أم سَلَمَة قالت: (يا رسول الله؛ إذا رأت إحداكنَّ الماء كما يرى الرجل أتغتسل؟) .

(فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «نعم» ) ؛ أي: وجب عليها الغسل؛ (إذا رأت الماء) ؛ أي: المني بعد استيقاظها من النوم، فـ (رأى) بصرية، فتتعدى لواحد، وتحتمل أن تكون قلبية، فتتعدى لمفعولين والمفعول الثاني محذوف؛ أي: إذا رأت الماء موجودًا مثلًا، فلو رأت نزول ماء منامًا ولم تره بعد الاستيقاظ؛ لا غسل عليها.

وقال في «عمدة القاري» ، وتبعه ابن حجر: (إنَّ الصواب حمل الرواية على ظاهرها من أنها بصرية) .

وقال الإمام كمال الدين ابن الهمام: (والمراد بالرؤية العلم سواء اتصلت به رؤية البصر أم لا، فإن من تيقنت الإنزال بعد الاستيقاظ، ثم جف ولم تر شيئًا بعينها؛ لا يسع أحدًا القول بعدم الغسل مع أنها لم تر شيئًا ببصرها) انتهى.

وعبارة «عمدة القاري» : (وفيه: رد على من زعم أن ماء المرأة لا ينزل، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها، وحمل قوله:(إذا رأت الماء) ؛ أي إن أعلمت به؛ لأنَّ وجود العلم هنا متعذر؛ لأنَّ الرجل لو رأى أنه جامع وعلم أنه أنزل في النوم، ثم استيقظ فلم ير بللًا؛ لم يجب عليه الغسل، فكذلك المرأة، وإن أراد علمها بعد ذلك أن استيقظت؛ فلا يصح؛ لأنَّه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إلا إن كان عن مشاهدة، فحمل الرؤية على ظاهرها هو الصواب) انتهى.

وقال القسطلاني: (الظاهر: أنها هنا بصرية) ، ونقل عن أبي حيان: (أن حذف أحد مفعولي(رأى) وأخواتها عزيز، وقد قيل في قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم} [آل عمران: 180] ؛ أي: البخل خيرًا لهم، وأما حذفهما جميعًا؛ فجائز اختصارًا؛ ومنه قوله تعالى: {أَعِندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} [النجم: 35] ) انتهى.

وقال ابن المُنْذِر: (أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللًا؛ أن لا غسل عليه) .

واختلفوا فيمن رأى بللًا ولم يتذكر احتلامًا، فقالت طائفة: يغتسل، روينا ذلك عن ابن عباس، والشعبي، وسَعِيْد بن جبير، والنخعي، وقال أحمد: (أحب إليَّ أن يغتسل به إلا رجل به أبردة) ، وقال أبو إسحاق: (يغتسل؛ إذا كانت بلة نطفة) ، وروينا عن الحسن أنه قال: (إذا كان انتشر إلى أهله من أول الليل فوجد من ذلك بلة؛ فلا غسل عليه، وإن لم يكن كذلك؛ اغتسل) .

وفيه قول ثالث وهو: أنه لا يغتسل حتى يوقن بالماء الدافق هكذا، قال مُجَاهِد: وهو قول قتادة.

وقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف: (يغتسل إذا علم بالماء الدافق) ، وقال الخطابي: (ظاهره يوجب الاغتسال إذا رأى البلة، وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق) ، وروي هذا القول عن جماعة من التابعين، وقال أكثر أهل العلم: (لا يجب عليه الاغتسال؛ حتى يعلم أنه بللُ الماء الدافق) انتهى.

قلت: واتفق أصحاب الإمام الأعظم على أنه لا يجب الغسل إذا انفصل المني عن مقره بشهوة إلا إذا خرج على رأس الذكر، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط مقارنة الشهوة الخروج؟

فعند الإمام الأعظم والإمام محمَّد: لا يشترط ذلك، وعند الإمام أبي يوسف: يشترط، فلو انفصل المني عن مقره بشهوة وخرج من غير دفق بأن أمسك ذكره حتى سكنت شهوته؛ وجب الغسل عندهما لا عنده، وفي «القهستاني» ، و «التاترخانية» : وبقوله نأخذ في الضيف وغيره؛ لأنَّه أيسر على المسلمين، وبه أخذ أبو الليث، وخلف بن أيُّوب، وعليه الفتوى كما في «جامع الفتاوى» ، لكن اختار الجمهور التفصيل وهو أن الفتوى على قوله في الضيف إذا احتلم مثلًا ويستحي من أهل البيت، أو خاف أن يقع في قلبهم ريبة _أي: تهمة_بأن طاف حول أهل بيتهم، وعلى قولهما في غيره كما في «السراج» ، و «شروح الملتقي» ، و «البحر» ، و «النهر» ، و «المستصفى» ، وقد ذكروا: أن قوله قياس، وقولهما استحسان، وأنه الأحوط والعمل والفتوى على الاستحسان، فينبغي الإفتاء بقوله في مواضع الضرورة فقط؛ فليحفظ.

قال الإمام ابن نُجَيم في «بحره» :(وحاصل مسألة اثنا عشر وجهًا؛ لأنَّه إما أن يتيقن أنه مني، أو مذي، أو ودي، أو يشك في الأول مع الثاني، أو في الأول مع الثالث، أو في الثاني مع الثالث؛ فهذه ستة، وفي كل منها: إما أن يتذكر الاحتلامأو لا، فتم [8] الاثنا عشر؛ فيجب الغسل اتفاقًا فيما إذا تيقن أنه متى تذكر احتلامًا أو لا، وكذا فيما إذا تيقن أنه مذي، وتذكر الاحتلام أو شك أنه مني، أو مذي، أو شك أنه مني، أو ودي، أو شك أنه مذي، أو ودي وتذكر الاحتلام في الكل، ولا يجب الغسل اتفاقًا فيما إذا تيقن أنه ودي مطلقًا تذكر الاحتلام أو لا، أو شك أنه مذي، أو ودي ولم يتذكر، أو تيقن أنه مذي ولم يتذكر، ويجب الغسل عند الإمام الأعظم، والإمام محمَّد لا عند الإمام أبي يوسف فيما إذا شك أنه مني، أو مذي، أو شك أنه مذي،

[ص 303]

أو ودي ولم يتذكر احتلامًا فيهما، والمراد بالتيقُّن هنا: غلبة الظن؛ لأنَّ حقيقة اليقين متعذرة مع النوم) انتهى كلامه.

وقوله: (أقَيْس وقولهما استحسان وعليه الفتوى) احتياطًا، وقال في «الفتاوى» : (الخلاصة: ولسنا نوجب الغسل بالمذي، ولكن المني قد يرق بطول المدة فتصير صورته كصورة المذي) انتهى أي: لا حقيقته.

وقال في «شرح المنية» : وإن استيقظ فوجد في إحليله بللًا ولم يتذكر حلمًا إن كان ذكره منتشرًا قبل النوم؛ فلا غسل عليه وإن كان ساكنًا؛ فعليه الغسل، هذا إذا نام قائمًا أو قاعدًا، أما إذا نام مضطجعًا أو تيقن أنه مني؛ فعليه الغسل وهو مذكور في «المحيط» و «الذخيرة» .

وقال شمس الأئمَّة الحلواني: (هذه المسألة يكثر وقوعها والناس عنها غافلون) ، ومشى على هذا العلامة الشرنبلالي في «الإمداد» وغيره، وذكر مثله في «الجواهر» ، ودرج عليه شراح «الملتقى» ؛ فافهم.

قال في «الحلية» : (الفرق بين النوم قائمًا أو قاعدًا، وبين النوم مضطجعًا غير ظاهر، والوجه الإطلاق؛ إذ لا يظهر بينهما افتراق) .

قال في «منهل الطلاب» : (والظاهر: أن الفرق بينهما من حيث إن النوم مضطجعًا سبب للاسترخاء والاستغراق وهو سبب للاحتلام بخلاف النوم قائمًا أو قاعدًا؛ لعدمهما فيه عادة؛ فتأمل، والمرأة مثل الرجل في ظاهر المذهب؛ فليحفظ) انتهى.

وقال في «البحر» : لو احتلمت المرأة ولم يخرج الماء إلى ظاهر فرجها، فعن الإمام محمَّد: يجب الغسل، وفي «ظاهر الرواية» عن الإمام الأعظم: لا يجب؛ لأنَّ خروج منيها إلى فرجها الخارج شرط لوجوب الغسل عليها، وعليه الفتوى، كذا في «المعراج» ، وحرر ابن الهمام في «فتح القدير» وقال: إنه الحق الاتفاق على تعليق وجوب الغسل بوجود المني في احتلامها، والقائل بوجوبه في هذه الخلافية إنَّما يوجبه على وجوده وإن لم تره، فالمراد بعدم الخروج في قولهم: ولم يخرج منها لم تره خرج؛ فعلى هذا: لا وجه لوجوب الغسل بوجود المني في احتلامها في الخلافية.

ورده في «شرح المنية» بأن هذا لا يفيد وجوب الغسل في المسألة الخلافية، فإن ظاهر الرواية لا يجب عليها الغسل، وبه أخذ شمس الأئمَّة الحلواني، وقال في «الخلاصة» : (وهو الصحيح ... ) إلى آخر كلامه؛ فافهم.

وقال ابن عبد البر: (في الحديث: دليل على أن النساء ليس كلهن يحتلمن، وإنما أنكرت عائشة ذلك إما لصغر سنها وكونها مع زوجها؛ لأنَّها لم تحض عنده ولم تفقده فقدًا طويلًا إلا بموته عليه السلام، فلذلك لم تعرف في حياته الاحتلام؛ لأنَّه لا تعرفه النساء ولا أكثر الرجال إلا عند عدم الرجال بعد المعرفة به، فإذا فقدت النساء أزواجهن؛ احتلمن، والوجه الأول عندي أصح وأولى؛ لأنَّ أم سَلَمَة فقدت زوجها وكانت كبيرة عالمة بذلك، وأنكرت منه ما أنكرت عائشة، فدل على أن من النساء من لا ينزل الماء منها في غير الجماع الذي يكون في اليقظة) انتهى.

قال صاحب «عمدة القاري» : (ولقائل أن يقول: إن أم سَلَمَة أيضًا تزوجت أبا سَلَمَة شابة، ولما توفي عنها زوجها؛ تزوجها سيد المرسلين عليه السلام لا سيما مع شغلها بالعبادة وشبهها التي هي وجاء لغيرها، أو تكون قالته إنكارًا على أم سَلَمَة؛ لكونها واجهت به سيدنا رسول الله عليه السلام، ويوضحه: فقالت أم سَلَمَة: وغطت وجهها، ثم قال: وفي رواية أبي داود:(أن أم سليم قالت: يا رسول الله؛ إن الله لا يستحي من الحق، أرأيت امرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل أتغتسل أو لا؟ قالت عائشة: فأقبلت عليها فقلت: أف لك وهل ترى ذلك المرأة؟ فأقبل علي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «تربت يمينك يا عائشة، ومن أين يكون الشبه؟» ) ، وعند المؤلف في باب: (الحياء في العلم) بعد قوله: «إذا رأت الماء» فغطت أم سَلَمَة _تعني: وجهها_ وقالت: (يا رسول الله؛ أوَ تحتلم المرأة؟) قال: «نعم؛ تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟» ، وفي لفظ له بعد قوله: (إذا رأت الماء) فضحكت أم سَلَمَة فقالت: (أوَ تحتلم المرأة؟) فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فبم شبه الولد؟» ، وفي لفظ: قالت أم سَلَمَة: (فقلت فضحكت النساء) ، وعند مسلم من حديث أنس: أن أم سُليم حدثت أنها سألت النبيَّ صلى الله عليه [وسلم] ، وعائشة عنده: (يا رسول الله؛ المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، ومن نفسها ما يرى الرجل من نفسه) ، فقالت عائشة: (يا أم سُليم) ؛ فضحكت النساء (تربت يمينك) ، فقال لعائشة: «بل أنت تربت يمينك نعم؛ فلتغتسل يا أم سليم» .

وفي لفظ: فقالت أم سُليم: (واستحييت من ذلك وهل يكون هذا؟) قال: «نعم؛ ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، أيهما علا أوسبق يكون منه الشبه» .

وفي لفظ: فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا كان منها ما يكون من الرجل؛ فلتغتسل» .

وفي لفظ: قالت عائشة: (فقلت لها: أف لك، أترى المرأة ذلك؟)

وفي لفظ: (تربت يداك) ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «دعيها، تربت يمينك» ، قالت: (وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل؛ أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها؛ أشبه أعمامه) .

وفي لفظ أبي داود: (أتغتسل أم لا؟) فقال: «فلتغتسل إذا وجدت الماء» .

وفي لفظ: (المرأة عليها غسل؟) قال: «نعم؛ إنَّما النساء شقائق الرجال» .

وفي لفظ النسائي: (فضحكت أم سَلَمَة) .

وعند ابن أبي شيبة: (فقال: هل تجد شهوة؟) قالت: (لعله) قال: «هل تجد بللًا» قال: ولعله قال: «فلتغتسل» ، فلقيتها النسوة فقلن: فضحتينا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالت: (والله ما كنت لأنتهي حتى أعلم في حل أنا أم في حرام) .

وعند الطبراني في «الأوسط» : (قلت: يا رسول الله؛ أنت تقربني إلى الله أحببت أن أسألك عنه، قال: «أصبت يا أم سُليم» ؛ فقلت الحديث) .

وعند البزار: (فقالت أم سَلَمَة: وهل للنساء من ماء؟ قال: «نعم؛ إنَّما هن شقائق الرجال» ) .

وعند ابن عمر: (إذا رأت ذلك فأنزلت؛ فعليها الغسل، فقالت: أم سُليم: أيكون هذا؟) .

فإن قلت: قد جاء عن [أم] سَلَمَة: (فضحكت) ، وجاء: (فغطت وجهها) فما التوفيق بينهما؟

قلت: معنى (فضحكت) : تبسمت تعجبًا، و (غطت وجهها) حياء، ومعنى (تربت يمينك) في الأصل: لا أصابت خيرًا غير أن في لسان العرب ذلك وأمثالها، ويراد به المدح، وفي «أدب الخواص» لأبي القاسم: (معنى «تربت يمينك» ؛ أي: افتقرت من العلم بما سألت عنه أم سُليم) ، وفي «المحكم» : ترب الرجل صار في يده التراب، قال تعالى: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] ؛ أي: لا يملك إلا التراب، وترب تربًا؛ لصق بالتراب من الفقر، وترب تربًا وتربة؛ خسر وافتقر، وحكى قطرب: (ترب وأترب) ، كذا ذكره في «عمدة القاري» ، وفيه قوله: (وآلت) بعد قوله: (تربت يمينك) ؛ معناه: صاحت؛ لما أصابها من شدة هذا الكلام، وروي: (أُلَّت) ؛ بضمِّ الهمزة مع التشديد؛ أي: طعنت بالآلة؛ وهي الحربة العريضة النصل، انتهى.

قال ابن بطال: (وفيه: دليل على أن كل النساء يحتلمن) ، وقد عكس غيره، فقال: فيه: دليل على أن بعض النساء لا يحتلمن.

واعترضه صاحب «عمدة القاري» فقال: (وفيه: دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال، ونفى ابن بطال الخلاف فيه، وقد ذكرنا في أول الباب خلاف النخعي) انتهى.

وقد تبعه ابن حجر فقال: (والظاهر: أن مراد ابن بطال الجواز لا الوقوع؛ يعني: فيهن قابلية ذلك، وفيه: دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال، ونفى ابن بطال الخلاف فيه، لكن تقدم الخلاف فيه عن النخعي) انتهى.

واعترضه العجلوني فقال: (ما تقدم عن النخعي في نفي وقوعه وما قاله ابن بطال في نفي الخلاف فإنما هو على المرأة في لزوم الغسل إذا أنزلت إلا أن يقال: إذا انتفى وقوع الموجب؛ لزم انتفاء الوجوب؛ فتأمل) انتهى.

وفي الحديث: جواز استفتاء المرأة بنفسها؛ لأنَّه غير مخل في الديانة، وكأن أم سُليم لم تسمع حديث: «إنما الماء من الماء» ، أو سمعته وقام عندها أنه منسوخ بدلائل أخر، أو ما يوهم خروج المرأة عنه وهو ندرة بروز الماء منها.

وروى عبد في هذه القصة: «إذا رأت إحداكن كما يراه الرجل» .

وروى أحمد من حديث خولة بنت حكيم في نحو هذه القصة «ليس عليها غسل حتى تنزل كما ينزل الرجل» ، فإن هذا صريح على أنه يدل على كونه في حال الاحتلام.

ففيه: رد على من زعم أن

[ص 304]

ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها كما قدمناه؛ لأنَّ الشهوة حقيقة أو حكمًا، وذلك إذا احتلم ورأى بللًا ولم يدرك اللذة فإنه يمكن أنه أدركها، ثم ذهل عنها بوجود النوم فجعلت اللذة حاصلة حكمًا وهو ظاهر، فيمكن أن أم سَلَمَة قام عندها أن الاحتلام لم يوجد فيه شهوة وحديث: (الماء من الماء) مطلق غير مقيد بالشهوة فتركته؛ لأنَّه منسوخ بأحاديث؛ منها: ما قدمناه من حديث أم سَلَمَة عند ابن أبي شيبة، فقال عليه السلام: «هل تجد شهوة ... » ؛ الحديث، ولقوله تعالى: {مِن مَّاءٍ دَافِقٍ*يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 6 - 7] والدفق لا يكون إلا عن شهوة على أنه حديث (الماء من الماء) مطلق، فهو محمول على المقيد بالشهوة، ولأن (اللام) فيه للعهد الذهني؛ أي: الماء المعهود، والذي به عهدهم هو الخارج عن شهوة؛ لأنَّه كثيرًا يأتي على أكثر الناس جميع عمره، ولا يرى هذا الماء مجردًا عن الشهوة، بل هي مصاحبة له ضرورة، ويدل لهذا: تفسير عائشة رضي الله عنها الحديث، كما قد رواه ابن المُنْذِر أن المني: هو الماء الأعظم الذي منه الشهوة وفيه الغسل؛ فليحفظ، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (الذهبي) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (كثيرًا) ، وليس بصحيح.

[3] في الأصل: (أنس) ، وليس بصحيح.

[4] في الأصل: (التمثيلة) ، وليس بصحيح.

[5] في الأصل: (حي) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (أرفع) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[7] في الأصل: (بضمين) .

[8] في الأصل: (فتمت) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (الذهبي) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (كثيرًا) ، وليس بصحيح.

[3] في الأصل: (أنس) ، وليس بصحيح.

[4] في الأصل: (التمثيلة) ، وليس بصحيح.

[5] في الأصل: (حي) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (أرفع) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[7] في الأصل: (بضمين) .

[1] في الأصل: (الذهبي) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (كثيرًا) ، وليس بصحيح.

[3] في الأصل: (أنس) ، وليس بصحيح.

[4] في الأصل: (التمثيلة) ، وليس بصحيح.

[5] في الأصل: (حي) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (أرفع) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[7] في الأصل: (بضمين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت