[حديث: وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غُسلًا وسترته فصب على يده]
266# وبالسَّند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) : هو التبوذكي (قال: حدثنا أبو عَوانة) ؛ بفتح العين المهملة، وتخفيف الواو: هو اسمه الوضاح_ بالمهملة آخره_ اليشكري (قال: حدثنا الأعمش) : هو سليمان بن مهران، (عن سالم) ؛ بالسين المهملة (بن أبي الجَعْد) ؛ بفتح الجيم، وسكون المهملة، (عن كُريب) ؛ بضمِّ الكاف (مولى ابن عباس، عن ابن عباس) رضي الله عنهما (عن) خالته (مَيمُونة) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية (بنت الحارث) : الهلالية زوج النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وسقط (بنت الحارث) في رواية، وهذا الحديث تقدم من رواية موسى بن إسماعيل المذكور أيضًا في باب (الغسل مرة) ، لكن شيخه هناك عبد الواحد، وهنا أبو عَوانة، وفي ألفاظهما اختلاف كما ترى؛ فافهم، (قالت: وضعت لرسول الله) وهناك: (للنبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم غُسلًا) ؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ هو ما يغتسل به، وبالفتح مصدر، وبالكسر اسم ما يغتسل به؛ كالسدر ونحوه، والمراد الأول، ويحتمل أنَّها ضمت إليه الثالث؛ لأجل التنظيف من الجنابة، (وسترته) ؛ بضمير المتكلم، وهذا معطوف على قولها (وضعت) ، كما هو ظاهر، زاد ابن فضيل عن الأعمش: (بثوب) ؛ أي: غطيت رأسه، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» ، وتبعه الشراح، فالضمير في (سترته) يعود على الماء بمعنى الإناء الذي فيه الماء، وإنَّما أرجعوه إليه؛ لقرب المرجع، كما هو القاعدة، والحامل لها على ستره خوف وقوع قذر أو غيره في الماء من ريح أو غيره فينجس الماء أو يستقذر، ويحتمل أن يعود الضمير على النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فيكون المعنى: وضعت بيني وبينه ثوبًا ساترًا؛ مخافة أن ترى عورته، وأيد هذا الاحتمال العجلوني بما سيأتي في باب (نفض اليدين في الغسل) ، فإنَّه قد صرح بالنبيِّ عليه السلام.
قلت: وهذا ليس يؤيد هذا الاحتمال؛ لأنَّ القصة مختلفة على أنَّ الحاجة لوضع الثوب ستر العورة، والنبيُّ عليه السلام كان في حجرتها، وليس عنده غيرها، فاحتمال أن ترى عورته بعيد، بل الاحتياج إلى ستر الماء أشد لاحتمال وقوع فأرة فيه ونحوها مما يفسد الماء.
وزعم ابن حجر أنَّ الواو في (وسترته) حالية، ورده صاحب «عمدة القاري» بأنَّه ليس كذلك، بل هي عاطفة، فهو معطوف على (وضعت) انتهى.
وزعم العجلوني: أنَّه لا يتعين العطف، بل يجوز الوجهان.
قلت: بل يتعيَّن أن تكون الواو عاطفة؛ لصحة المعنى، وظهوره بخلاف الحالية، فإنَّها بعيدة المعنى مع خفائه؛ فليحفظ.
(فصب) معطوف على محذوف؛ أي: فأراد النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الغسل، فكشف رأسه، فأخذه فصب (على يده) ؛ بالإفراد، وفي رواية بالتثنية، والمراد من اليد الجنس، فصح إرادة كلتيهما منه.
وزعم ابن حجر أنَّ (فصب) عطف على (وضعت) ؛ المعنى: وضعت له ماء فشرع في الغسل، ورده صاحب «عمدة القاري» : (بأنَّ هذا تصرف من ليس له ذوق من معاني التركيب، وكيف يكون الصب معقبًا بالوضع وبينهما أفعال أخرى؟ ولا يجوز تفسير «صب» بمعنى شرع) انتهى.
واعترضه العجلوني فزعم أن لا وجه لإنكاره ما قاله، فإنَّه إذا فرض أنَّ الإدارة والكشف وقعا قبل الوضع؛ جاز كون الصب معقبًا عليه من غير واسطة أفعال أخرى، ولا مانع من تفسير (صب) بمعنى شرع؛ لأنَّ من شرع في إفراغ ماء مثلًا؛ جاز أن يقال فيه: صبه، نعم؛ في قول ابن حجر: (والكشف يمكن كونه وقع قبل الوضع) مؤاخذة؛ لأنَّ المراد به كشف رأس الإناء، وكأنَّ ابن حجر ظن أنَّه رأس النبيِّ عليه السلام، وكذا في قوله: (والأخذ عين الصب) فيه ما فيه؛ لأنَّ الصب ينشأ عن الأخذ لا عينه، ولا داعي إلى التجوُّز بجعله عينه؛ فتأمل.
قلت: تأملت قوله: (أن لا وجه لإنكاره) ، فرأيته له وجه وجيه.
وقوله: (فإنَّه إذا فرض ... ) إلخ هذا كلام من لم يشمَّ شيئًا من رائحة العلم، فإنَّ المعاني والأحكام لا تبنى على الفرض والتقدير، كيف وقد ثبت في الحديث وجود الواسطة بين الوضع والصب، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، ولا ينكر هذا إلا كل متعنت خال الفهم؟
وقوله: (ولا مانع من تفسير ... ) إلخ، بل المانع
[ص 276]
فيه ظاهر، وهو عدم صحة المعنى؛ لأنَّ الشروع في إفراغ الماء لأجل الغسل كما هنا، أو غيره التهيُّؤ لذلك من خلع الثياب ونحوها، والصب: كفاء الماء من الإناء، فلا يجوز لمن شرع في إفراغ الماء أن يقال فيه: صبه؛ لاختلاف المعنى، وهذا ظاهر، كما لا يخفى.
وقوله: (نعم؛ في قول ابن حجر .... ) إلخ هذا اعتراض من العجلوني عليه؛ لأنَّ هذه العبارة المفقودة الغائرة ذكرها في شرحه، لكنها غير صحيحة، وكيف يكون وقع الكشف قبل الوضع مؤاخذة مع أنَّه صرحت في الحديث أنَّ الوضع قبل الكشف، فكلامه مصادم للحديث، ولا وجه له أصلًا وعلى كلامه، فالكشف على من وقع وأين الماء الموضوع؟ وما هو إلا لقلقة لسان.
وقوله: (وكأنَّ ابن حجر ... ) إلخ؛ فإنَّه قد اعترض على الكرماني، واختلط عليه الكلام في عود الضمير إمَّا على الماء، أو على النبيِّ عليه السلام مع أنَّه في أول كلامه جزم بأنَّه يعود على الماء، فخبط هذا الخبط.
وقوله: (وكذا قوله والأخذ ... ) إلخ هذا كلام من لم يدر شيئًا من معاني التركيب، فكيف يكون الأخذ عين الصب وبينهما فرق ظاهر لا يخفى؟ وما هذا إلا معنًى فاسد.
وقوله: (لأنَّ الصب ... ) إلخ، فإنَّه إذا أراد الصب؛ أخذ الإناء وكفئه، فالصب غير الأخذ لا عينه لا محالة.
وقوله: (لا داعي ... ) إلخ، بل هو ممنوع؛ لأنَّه لا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وهذا غير متعذر، فيتعين الكلام على الحقيقة، وهذا دأب ابن حجر وضع الكلام في شرحه بلا معنًى ولا فائدة، وقد بين ذلك في «إيضاح المرام» ، ولو ذكرناه؛ لطال المقام؛ فيراجع.
وقوله: (مرة أو مرتين) متعلق بـ (غسلها) ، والشك فيه من أبي عوانة، وهو القائل: (قال سليمان) هو ابن مهران الأعمش: (لا أدري أذكر) ؛ أي: سالم بن أبي الجَعْد شيخ الأعمش (الثالثة) ؛ أي: الغسلة الثالثة (أم لا؟) ، وقد مر في رواية عبد الواحد، عن الأعمش: (فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا) ، ولابن فضيل عن الأعمش: (فصب على يديه ثلاثًا) ولم يشكَّ، أخرجه أبو عَوانة في «مستخرجه» ، فكأن الأعمش كان يشك فيه، ثم ذكر فجزم؛ لأنَّ سماع ابن فضيل منه متأخر، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري» ، (ثم أفرغ) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الماء (بيمينه على شماله) ففيه المطابقة للترجمة، كما لا يخفى، (فغسل فرجه) المراد به: القبل والدبر، (ثم دلك يده) ؛ بالإفراد، وهي التي استنجى بها (بالأرض أو بالحائط) الظاهر: أنَّ الشك فيه من ميمونة، ويحتمل غيرها، وهناك: (فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض) من غير شك، وذلك لأذًى من مني ونحوه عليها، وهناك: (ثم غسلها) ؛ أي: اليد بالماء؛ ليكون الغسل أطهر وأنقى؛ لأنَّ المني لزج، فيحتمل لصوق شيء منه، (ثم تمضمض) ؛ بفوقية أوله لغير الأَصيلي، وله بحذفها، كما هناك (واستنشق) ؛ لأنَّهما من تمام غسل البدن، (وغسل وجهه) وأصول لحيته، (ويديه) ؛ أي: الذراعين، (وغسل رأسه) وأصول شعره، وأتى بـ (الواو) للإشارة إلى عدم وجوب الترتيب؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع عند أهل اللغة، فهذا يعم التقديم والتأخير، وفيه: دليل واضح إلى أنَّ الترتيب في الوضوء غير شرط، وهو مذهب الجمهور خلافًا لطائفة، (ثم صب) أي: الماء (على جسده) ؛ أي: كله وقدم أعضاء الوضوء؛ ليتفقد ما فيها مما يمنع وصول الماء إلى الجسد خصوصًا المضمضة والاستنشاق، ولشرفها، وهناك: (ثم أفاض على جسده) ، (ثم تَنَحَّى) ؛ بفوقية أوله، بعدها نون مفتوحتين، آخره مهملة، وهناك: (ثم تحول من مكانه) ؛ أي: تباعد عن المكان الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر، (فغسل) ؛ بالفاء للأكثر، ولأبي ذر بالواو (قدميه) ؛ أي: رجليه؛ تحرُّزًا عن الماء المستعمل، قالت ميمونة: (فناولته خِرقة) ؛ بكسر الخاء المعجمة، واحدة الخروق، وذلك لأجل أن يتنشف بها، (فقال) أي: أشار من إطلاق القول على الفعل، كما قدمناه (بيده) ؛ بالإفراد (هكذا) ؛ أي: لا أتناولها؛ لما رأى عليها من وسخ، أو لاستعجاله إلى القيام إلى الصَّلاة، أو لأجل بقاء أثر العبادة أو غير ذلك، فقولها: (ولم يُرِدْها) ؛ بضمِّ المثناة التحتية، من الإرادة لا من الرد، فهو تأكيد وهو مجزوم بالسكون، وحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين لا مجزوم بحذف الياء، كما توهمه القسطلاني.
قال إمام الشارحين: (وحكى «المطالع» : أن «لم يردَّها» بالتشديد رواية ابن السكن، ثم قال: وهو وهم؛ لأنَّ المعنى يفسد حينئذ، وقد رواه الإمام أحمد عن عفان، عن أبي عَوانة بهذا الإسناد، وقال في آخره: «فقال هكذا، وأشار بيده أن لا أريدها» ، وفي رواية أبي حمزة، عن الأعمش: «فناولته ثوبًا، فلم يأخذه» ) انتهى كلام «عمدة القاري» .
قلت: وفي الحديث: دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل، وفيه: دليل على أنَّ الماء المستعمل نجس، وفيه: جواز خدمة الزوجات للأزواج، وفيه: استحباب تغطية الماء، وفيه: تقديم الاستنجاء، وفيه: رد المنديل لمانع مما سبق، فقد ورد عن قَيْس بن سعد: (أنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم اغتسل، فأتيناه بملحفة، فالتحف بها) .
قلت: والظاهر: أنَّ الملحفة هو الحرام الذي يلتحف به لا المنديل؛ فافهم، والله أعلم.