[حديث: وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماءً للغسل فغسل يديه مرتين]
257# وبالسَّند قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل [1] ) ): هو التَّبُوذكي، وفي رواية: الاقتصار على (موسى) فقط (قال: حدثنا عبد الواحد) : هو ابن زياد البصري، (عن الأعمش) : هو سليمان بن مهران، (عن سالم) ؛ بالسين المهملة (بن أبي الجَعْد) ؛ بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، (عن كُريب) ؛ بضمِّ الكاف: مولى ابن عباس، (عن ابن عباس) رضي الله عنهماأنَّه (قال: قالت مَيمُونة) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: بنت الحارث زوج النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وخالة ابن عباس: (وضعت للنبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم ماء للغُسل) ؛ بضمِّ الغين المعجمة من الجنابة؛ أي: لأجل أن يغتسل فيه منها، (فغسل يديه) ؛ بالتثنية للكشميهني، وفي رواية المستملي والحَمُّوي: بالإفراد (مرتين أو ثلاثًا) ؛ بالشك، والظاهر أنَّه من ميمونة، ولذا قال الكرماني: (الشك من ميمونة) ، وزعم ابن حجر أنَّ الشك من الأعمش؛ كما سيأتي من رواية أبي عَوانة عنه، وغفل الكرماني، فقال: (الشك من ميمونة) .
واعترضه إمام الشارحين فقال: (قلت: هذا مرَّ في باب «من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل» ، ولفظه: «فغسلها مرة أو مرتين» ، قال سليمان: «لا أدري أذكر الثانية أم لا؟» ، وسليمان هو الأعمش، ولكن الشك ههنا بين مرتين أو ثلاثًا، وهناك بين مرة أو مرتين، فعلى هذا: تعين الشك من الأعمش، ولكن موضعه مختلف) انتهى.
قلت: ولما كان موضعه مختلفًا؛ تبين أنَّ الشك ليس من الأعمش ههنا، أمَّا هناك؛ فالشك منه؛ كما قال صاحب «عمدة القاري» على أنَّ هذا الحديث ليس له تعلق بالحديث الذي سبق من رواية أبي عَوانة، وفي الحديث ههنا التصريح بمرتين أو ثلاث [2] ، وهناك بالمرة أو المرتين، ولا شك أنَّ بين الحديثين اختلافًا [3] ، فدل ذلك على أنَّ الشك ليس من الأعمش، وتعين أنَّ الشك من ميمونة، وهو ظاهر السياق؛ فافهم.
وبهذا ظهر أنَّ الكرماني لم يغفل، بل الغافل الذاهل ابن حجر، فإنَّه لم يفرق بين الحديثين مع اختلاف ألفاظهما وتباينهما في اللفظ والمعنى، وليس هذا شأن أهل الحديث؛ فليحفظ.
(ثم أفرغ على شِماله) ؛ بكسر الشين المعجمة، ضد اليمين، وبالفتح: ضد الجنوب، (فغسل مذاكيره) : هو جمع ذكر على خلاف القياس؛ كأنَّهم فرقوا بين الذكر الذي هو خلاف الأنثى، والذكر الذي هو الفرج في الجمع.
وقال الأخفش: (هو جمع لا واحد له؛ كأبابيل) .
قلت: قيل: إنَّ الأبابيل جمع أبول؛ كعجاجيل جمع عجول، وقيل: هو جمع مذكار، ولكنهم لم يستعملوه وتركوه، والنكتة في ذكره بلفظ الجمع الإشارة إلى تعميم غسل الخصيتين وحواليهما؛ كأنَّه جعل كل جزء من هذا المجموع كذكر في حكم الغسل، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» ؛ فافهم.
(ثم مسح) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (يده) بالإفراد؛ أي: الشمال (بالأرض) مبالغة في إزالة ما عساه يكون عليها، وفيه حذف؛ أي: ثم غسلها، كما دلت عليه الروايات السابقة، ويأتي التصريح به في باب (المضمضة والاستنشاق) ، وعند مسلم في هذا الحديث: (فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح يده بالحائط أو الأرض، ثم غسلها) ، (ثم مضمض واستنشق) : كل واحدة بثلاث غرفات، فلو فعلهما مرة واحدة؛ سقط الفرض وترك السنة، ويكفي الشرب عبًّا عن المضمضة لا مصًّا؛ لأنَّ المجَّ _وهو طرح الماء من الفم_ ليس بشرط على الصحيح، وقيل: إنَّه شرط، وأمَّا الشرب مصًّا؛ فلا يجزئه، كما صرَّح به في «البحر» .
ولو كان سنُّه مجوفًا، أو بين أسنانه طعام، أو درن رطب؛ يجزئه؛ لأنَّ الماء لطيف يصل إلى كل موضع غالبًا، كذا في «التجنيس» .
وذكر الإمام الحسامي: أنَّه إذا كان في أسنانه كوَّات فيها طعام؛ لا يجزئه ما لم يخرجه، ويجري عليها الماء.
وفي «المعراج» : (الأصح أنَّه يجزئه) .
قال في «البحر» : (فالاحتياط أن يخرجه) انتهى.
ويفترض غسل ما تحت الدرن الذي في الأنف، قال في «فتح القدير» : (والدرن اليابس في الأنف؛ كالخبز الممضوغ والعجين يمنع) انتهى؛ أي: إيصال الماء إلى ما تحته؛ فلا بد من إخراجه، وهذا غير الدرن المجتمع تحت الأظفار، وقيد باليابس لما في «شرح الدرر» : أنَّ الدرن الرطب اختلف فيه المشايخ، كما في «القنية» عن «المحيط» ، والمعتمد إخراجه أيضًا؛ لأنَّه لزج غالبًا لا يصل الماء إلى ما تحته، ولو نسي المضمضة والاستنشاق في الغسل وصلى، ثم تذكر؛ فلو صلى نفلًا؛ لم يعد؛ لعدم صحة شروعه، وأمَّا لو صلى فرضًا؛ فيلزمه قضاؤه؛ لعدم انعقاده، كذا في «منهل الطلاب» .
(وغسل وجهه) : وإن اكتحل بكحل نجس؛ لا يجب غسله، كما في «الدر المختار» ، لكن في «الخادمي» : (ينبغي غسله زجرًا، ولعدم الحرج؛ للقلة) انتهى.
قلت: بل، لا ينبغي غسله لما قالوا: إذا جرى الدم في العين لا يجب غسله، ودعوى عدم الحرج ممنوعة للضرر؛ لأنَّ العين شحم، فيخشى عليها من الماء انجماده فيقع في العمى، وهو حرج مدفوع بالنص، كذا في «منهل الطلاب» .
(و) غسل (يديه) ؛ بالتثنية، وعند ابن ماجه: (فغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا) ، ولم يذكر مسح رأسه هنا، ولا في «ابن ماجه» وغيرها، فدل على أنه لم يتوضأ قبل الغسل، بل هذه كيفية الغسل الفرض حيث إنَّه غسل يديه، وهو كالغسل عند الاستيقاظ من النوم، ثم غسل مذاكيره، وهذا هو الاستنجاء، ثم تمضمض واستنشق؛ لأنَّها من تمام غسل البدن، (ثم أفاض) ؛ أي: أسال الماء (على جسده) كله، فيدخل فيه غسل الرأس، والأذنان، واللحية، والسرة، والحاجبان، وغيرها؛ لأنَّ الجسد: الرأس وما نزل عنه إلى القدمين، ويدل لذلك رواية الحسن عن النعمان.
وزعم العجلوني أنَّه لم يذكر مسح الرأس إمَّا للنسيان، وإلا؛ فلا بد من مسحه.
قلت: فقد غفل وذهل؛ لأنَّ المراد من هذا الحديث بيان الغسل الفرض فقط من غير إتيان بسننه بدليل أنَّه ترجم له المؤلف بالغسل مرة، والفرض لا يقتضي التكرار، وللتنبيه على أنَّه إذا فعل الجنب هذه الأفعال من غير تقدم وضوء؛ يجزئه ذلك، وعلى أنَّ المراد تعميم ما يمكن غسله من الجسد بلا حرجٍ؛ فرضٌ، والنسيان من الراوي غير ممكن؛ لأنَّه حجة ثقة عليه نظر رسول الله عليه السلام، فلا يمكن ذهول الراوي عن ذكر شيء من ذلك؛ لأنَّه مأمون في ذلك.
وقوله: (فلا بد من مسحه) ؛ ممنوع؛ لأنَّه [4] في الإفاضة على الجسد مسح وغسل، على أنَّه لم يتوضأ وضوء الصَّلاة حتى يلزم مسح الرأس، على أنَّه ليس في الحديث تصريح بأنَّه توضَّأ وضوء الصَّلاة، بل بيان كيفية فرائض الغسل،
[ص 266]
كما لو تمضمض واستنشق وانغمس بالماء؛ فقد أجزأه، وإن مكث قدر الوضوء والغسل؛ فقد أكمل السنة، كما قدمناه؛ فليحفظ.
(ثم تَحَوَّل) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو بالمثناة الفوقية، والحاء المهملة، والواو المشددة المفتوحات؛ أي: تباعد (عن مكانه) ؛ أي: الذي اغتسل فيه تحرُّزًا عن الماء المستعمل؛ لاجتماعه (فغسل قدميه) ؛ أي: رجليه الشريفتين في المكان الثاني؛ تنظيفًا لهما عن الماء المستعمل، وهذا الغسل مستحب؛ ليكون البداءة والختم بأعضاء الوضوء، وهذا هو ظاهر الحديث وإن استبعده العجلوني تعصبًا، واستظهر أن غسلهما تكميلًا للوضوء الذي يسن قبل الغسل.
قلت: وهو مردود، فإن لم يوجد الوضوء منه عليه السلام في هذا الغسل لما قدمنا أن المراد بيان فرائض الغسل فقط، وسننه ثبتت بأحاديث أخرى غير هذا، أما هذا الحديث؛ فإنه ظاهر في أن غسلهما كان لما أصابهما من الماء المستعمل، ولم يوجد تصريح بالوضوء فيه أصلًا، فدل على أن هذا كيفية الغسل المفروض فقط من غير إتيان بسننه؛ فليحفظ.
ومطابقته للترجمة في قوله: (ثم أفاض على جسده) حيث لم يقيده بالمرة ولا المرتين، فحمل على أقل ما يسمَّى غسلًا، وهو المرة الواحدة، فإن الأمر لا يقتضي التكرار، وأجمع العلماء على أن الشرط في الغسل التعميم والإسباغ لا العدد من المرات، فالفرض في الغسل تعميم ما يمكن غسله من البدن من الماء مع سائر شعوره ولحيته ولو كثيفة؛ لخبر الحسن وإن ضعفه النووي، بل قال القرطبي: (إنه صحيح عن علي بن أبي طالب يرفعه: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسله؛ فعل به كذا وكذا [5] من النار» ، قال: فمن ثم عاديت شعر رأسي) ، فيفترض غسل داخل المضفور من شعر الرجل ونقض ضفائره، ولو كان علويًّا أو تركيًّا، وإيصال الماء إلى ما استرسل من شعره، هذا هو الصحيح، أمَّا الشعر المعقود بنفسه؛ فالظاهر أنه لا يجب غسله؛ لأنَّ الاحتراز عنه غير ممكن، سواء كان من شعر الرجل أو المرأة، وأما الدرن المتولد من الجسد الذي يذهب بالدلك في الحمام؛ فإنه لا يمنع وصول الماء إلى الجسد، بخلاف الدرن الذي في الأنف؛ فإنه يمنع كما سبق، ولا يمنعه وسخ وتراب وطين، ولو كان في ظفر سواء كان قرويًّا أو مدنيًّا على الأصحِّ، وفرق بعضهم بينهما بأن القروي درنه من التراب والطين؛ فينفذ الماء إلى ما تحته، وأما المدني؛ فليس كذلك، بل يكون من الودك، فلا ينفذ الماء إلى ما تحته، وهو الاحتياط، ولا يمنعه دهن؛ كزيت، وسمن مائع، ودسومة.
قال نور الدين المقدسي: دهن رجليه، ثم توضأ وأمر الماء عليهما ولم يقبل الماء للدسومة؛ يجزئه لوجود غسل الرجلين بخلاف نحو عجين، وشحم، وسمن جامد، وعلك، وشمع، وقشر سمك، وخبز ممضوغ؛ فإنه مانع يجب إزالته، لكن ذكر في «النهر» : (ولو في أظفاره طين أو عجين؛ فالفتوى على أنه مُغتفَر قرويًّا كان أو مدنيًّا) انتهى.
وفي الحديث: استحباب الإفراغ باليمين على الشمال، وفيه: مسح اليد بالتراب من الأرض، وفيه: جواز الاستعانة بإحضار ماء الاغتسال والوضوء، وفيه: خدمة الزوجات للأزواج، وفيه: غسل اليدين ثلاثًا في أول الغسل، وفيه: دلالة ظاهرة على افتراض المضمضة والاستنشاق في الغسل. وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ؛ أي: طهِّروا أبدانكم، يدل على ذلك، ولأن الأمر يقتضي أنه يجب غسل كل ما يمكن غسله من الجسد، وهذا يشمل المضمضة والاستنشاق، وهو ظاهر، وقد مضى الكلام على ذلك، وسيأتي تمام لذلك، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.
وفيه: دلالة على نجاسة الماء المستعمل؛ لأنَّ قوله: (ثم يتحول ... ) إلى آخره صريح في ذلك؛ لأنَّه لو لم يكن نجسًا؛ لما تحول من مكانه ذلك، وما تحوله إلا لنجاسته، والاحتراز عنه أحوط، كما لا يخفى، والمذهب المصحَّح المفتى به عندنا: أن الماء المستعمل طاهر في نفسه، يجوز شربه والعجن به، إلا أن النفس تعافه، وقدمنا ذلك، والله أعلم.
[1] في الأصل: (إسماعيلي) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (ثلاثًا) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (اختلاف) ، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (لأن) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[5] في الأصل: (كذا) ، وليس بصحيح.
[1] في الأصل: (إسماعيلي) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (ثلاثًا) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (اختلاف) ، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (لأن) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[1] في الأصل: (إسماعيلي) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (ثلاثًا) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (اختلاف) ، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (لأن) ، ولعل المثبت هو الصواب.