فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 860

[حديث: وإذا توضأ النبي كادوا يقتتلون على وضوئه]

189# وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) هو ابن المديني (قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعْد) بسكون العين المهملة (قال: حدثنا أبي) ؛ أي: إبراهيم المذكور، (عن صالح) هو ابن كيسان، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري: أنه (قال: أخبرني) وفي رواية: (حدثني) بالإفراد فيهما (محمود بن الرَّبيع) بفتح الرَّاء (قال) ؛ أي: ابن شهاب: (وهو) أي: محمود (الذي مَجَّ) ؛ أي: رمى، والمُجاج: الريق الذي تمجه من فِيْك، (رسول الله صلى الله عليه وسلم) ؛ أي: من فمه الشريف ماءً (في وجهه) ؛ أي: ليمازحه؛ إيناسًا له (وهو غلام) جملة اسمية وقعت حالًا، وقوله: (من بئرهم) متعلق بقوله: (مج) ، أو حال من المفعول المحذوف، والظاهر الأولى، كما لا يخفى، والضمير في (بئرهم) : يعود لمحمود وقومه بدلالة القرينة عليه.

والذي أخبر به محمود هو قوله: (عَقَلْتُ من النبي صلى الله عليه [وسلم] مجَّة مجَّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين من دلو) ، وقوله: (وهو الذي مج ... ) إلى قوله: (بئرهم) ؛ كلام لابن شهاب ذكره تعريفًا أو تشريفًا، وهذا الحديث لا يطابق الترجمة، وإنما يدلُّ على ممازحة الطفل بما قد يصعب عليه؛ لأنَّ مجَّ الماء قد يَصْعُبُ عليه، وإن كان قد يستلذ به؛ فافهم.

وقد أخرجه المؤلف في كتاب (العلم) في باب (متى يصح سماع الصغير) ، وقد سبق الكلام عليه مستوفًى من جميع الوجوه.

(وقال عروة) ؛ هو ابن الزبير بن العوام، مما وصله المؤلف في كتاب (الشروط) [في باب (الشروط] في الجهاد) (عن المِسْوَر) ؛ بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو، وهو ابن مَخْرَمة _بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الرَّاء_ الزهري، ابن بنت عبد الرحمن بن عوف، قُبِضَ النبي الأعظم عليه السلام وهو ابن ثمان سنين، وصح سماعه منه، فهو صحابي صغير، فأصابه حجر من أحجار المنجنيق وهو يصلي في الحِجر، فمكث خمسة أيام، ثم مات زمن محاصرة الحجاج مكة سنة أربع وستين، والألف واللام فيه كالألف واللام في (الحارث) يجوز إثباتهما ويجوز نزعهما، وهو في الحالتين علَمٌ، كذا في «عمدة القاري» (وغيره) عطف على (المِسْوَر) ، والمراد بالغير: هو مروان بن الحكم، كما صرَّح به المؤلف في هذا الحديث المطول في (الجهاد) ، وقول الكرماني: (ولا يضر الإبهام؛ لأنَّ الغالب أن عروة لا يروي إلا عن عدلوأيضًاذكر المتابعة فيغتفر فيها الجهالة [1] ) قد رده في «عمدة القاري» : (بأن هذا غير وارد من أصله؛ لأنَّ هذا التعليق أخرجه المؤلف موصولًا، وبين فيه أن المراد من قوله: «وغيره» مروان، فإذا سقط السؤال؛ فلا حاجة إلى الجواب) انتهى.

وجملة: (يصدق كل واحد منهما) ؛ أي: من المِسْوَر ومروان (صاحبه) ؛ أي: كل واحد منهما يوافق الآخر على ما حدَّث به؛ حال من (المِسْوَر وغيره) لا أنه مقول ابن شهاب، كما زعمه الكرماني، كذا نبه عليه في «عمدة القاري» .

والحاصل: أن قوله: (وقال عروة: ... ) إلخ: تعليق، وأن ضمير (منهما) عائد إلى المِسْوَر

[ص 162]

ومروان، وزعم الكرمانيأن ضمير (منهما) يعود إلى محمود والمِسْوَر؛ وهو فاسد؛ لمخالفته لصنيع أئمة هذا الشأن، بل هو تجويز عقلي مخالف للنقل الذي تقدم عن المصنف، كذا نبه عليه في «عمدة القاري» ، ولفظ الحديث: (حدثنا عبد الله بن محمد: حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني عروة، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمة ومروان يصدق كل واحد منهما صاحبه؛ قالا: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن ... » الحديث، وهو طويل إلى أن قال: «ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي عليه السلام بعينيه قال: فوالله ما تنخَّم رسول الله عليه السلام نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم، فدَلَكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم؛ ابتدروا أمره ... » إلى آخره) ، والمراد من قوله: (ثم إن عروة) هو عروة بن مسعود أرسله كفَّار مكة إلى رسول الله عليه السلام زمن الحديبية، كذا في «عمدة القاري» .

وقوله: (وإذا توضأ النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم؛ كانوا) وفي رواية: (كادوا) ؛ بالدَّال المهملة؛ أي: الصحابة (يقتتلون على وَضوئه) ؛ بفتح الواو: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء؛ ليس من قول المِسْوَر وغيره، كما زعمه وتوهمه الكرماني؛ لأنَّهما صحابيان صغيران لم يحضرا القصة، ولا من مقول عروة بن الزبير؛ لأنَّه تابعي، بل هو من مقول عروة بن مسعود الثقفي المشاهد لذلك؛ لأنَّه هو القائل بذلك والحاكي به عند مشركي مكة.

وزعم ابن حجرأن رواية (كادوا) هي الصواب؛ لأنَّه لم يقع بينهم قتال، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: كلاهما سواء، والمراد به: المبالغة في ازدحامهم على نخامة النبي عليه السلام وعلى وضوئه) انتهى، قلت: وهذا ظاهر لمن له أدنى تأمل؛ فافهم.

وذكر ابن طاهر أن هذا الحديث معلول؛ لأنَّ المِسْور ومروان لم يُدْرِكا هذه القصة التي كانت بالحديبية سنة ستٍّ؛ لأنَّ مولدهما كان بعد الهجرة بسنتين، كما أجمع عليه المؤرخون، وأمَّا ما في «مسلم» عن المسور قال: (سمعت رسول الله عليه السلام يخطب الناس على هذا المنبر وأنا يومئذ محتلم) ، فيحتاج إلى تأويل لغوي؛ بمعنى: أنه كان يعقل، لا الاحتلام الشرعي، أو أنه كان سمينًا غير مهزول، فيما ذكره القرطبي، وقال صاحب «الأفعال» : (حلم حلمًا؛ إذا عقل) ، وقال غيره: (إذا تحلَّم الغلام؛ صار سمينًا) ، وهو معدود في صغار الصحابة، مات سنة أربع وستين، كذا في «عمدة القاري» .

وفي الحديث دلالة على طهارة الماء المستعمل إذا كان المراد من قوله: (يقتتلون على وضوئه) : الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، لكنه بعيد، والظاهر: أن المراد به: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء؛ لأنَّ اللفظ يدل عليه، وهو غير مستعمل، ولا شكَّ في طهوريته، أمَّا المستعمل؛ فلا يجوز استعماله في الأحداث، أمَّا استعماله في تطهير الثوب والبدن من النجاسة؛ فيجوز، لكنه مكروه، وكذا يُكْرَهُ شربه، كما في «البزازية» ؛ لأنَّ النفس تعافه؛ لتدنُّسه بأوساخ البدن، قال في «البحر» : (ولا يخفى أن الكراهة على رواية الطهارة، أمَّا على رواية: أنه نجس؛ فحرام؛ لأنَّه من الخبائث، فلا يجوز استعماله مطلقًا) انتهى، ووفَّق في «الدر» تبعًا «للنهر» : (بأنه على رواية الطهارة: يُكْرَهُ شربه والعجن به تنزيهًا؛ للاستقذار، وعلى رواية النجاسة تحريمًا؛ لأنَّ المطلق منها ينصرف إليها) انتهى، وإنما يُكْرَهُ تنزيهًا على رواية الطهارة؛ لأنَّه اكتسب زخومة البدن بالاستعمال؛ لأنَّه ربما يَضُرُّ المعدة، كما قالوا في الماء المشمَّس: إنَّه يُكْرَهُ التوضؤ به؛ لأنَّه يورث البرص، وكما قالوا في الشرب قائمًا: إنَّه مكروه؛ لأنَّه يورث داء الكباد، ولا شكَّ أن النَّفس تعافه وتتقذَّر منه، وتمامه في «منهل الطلاب» ، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (للجهالة) ، ولعل المثبت هو الصواب.

(باب) ؛ بالتنوين، بلا ترجمة ثابت في رواية المستملي، ساقط في رواية الباقين وهو الأولى؛ لمناسبة حديثه للباب السابق من غير فصل بينه وبين سابقه، ولهذا تركه في «عمدة القاري» ؛ لظهور وجهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت