فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 860

[حديث: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله]

118# وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأوسي المدني، (قال: حدثني) ؛ بالإفراد (مالك) : ابن أنس الإمام، (عن ابن شهاب) : محمد بن مسلم الزهري، (عن الأعرج) : عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة) : عبد الرحمن بن صخر، (قال: إن الناس) : مقول قال، (يقولون) : جملة محلها رفع خبر (إن) ، (أكثر أبو هريرة) : جملة من الفعل والفاعل مقول (يقولون) ؛ أي: من رواية الحديث، وهو حكاية كلام الناس، أو وضع المظهر موضع المضمر؛ لأنَّ الظاهر أن يقول: أكثرت، وزاد المؤلف في (البيوع) : (ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه) ، وهذه الزيادة تدلك على النكتة في ذكر أبي هريرة المهاجرين والأنصار.

(ولولا آيتان) ؛ أي: موجودتان، (في كتاب الله) عز وجل، (ما) جواب (لولا) حذف منه اللام وهو جائز، (حدثت حديثًا) ؛ بالنصب على المفعولية، قال الأعرج: (ثم يتلو) ؛ أي: أبو هريرة، ( {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} إلى قوله) تعالى: ( {الرَّحِيم} [البقرة: 159 - 160] ) .

وإنما ذكر يتلو بلفظ المضارع؛ استحضارًا لصورة التلاوة كأنه فيها، والمعنى: لولا أن الله تعالى ذمَّ الكاتمين للعلم؛ لما حدثتكم أصلًا، لكن لما كان الكتمان حرامًا؛ وجب الإظهار والتبليغ؛ فلهذا حصل مني الإكثار؛ لكثرة ما عندي من الحديث، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله: (إن إخواننا) ؛ جمع: أخ، ولم يقل: إخوانه؛ ليرجع الضمير على أبي هريرة؛ لغرض الالتفات، ولم يقل: إخواني؛ لأنَّه قصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة، والمراد الإخوان في الإسلام لا في النسب،

[ص 74]

وحذف العاطف على جعله جملة استئنافية كالتعليل للإكثار جوابًا للسؤال عنه.

(من المهاجرين) (من) بيانية؛ أي: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، (كان يَشغَلهم) ؛ بفتح أوله وثالثه من باب (فتح يفتح) ، وحكي ضم أوله من الرباعي؛ أي: الإشغال، وهو غريب، كما في «عمدة القاري» ، (الصَّفْق) ؛ بالرفع فاعل، والجملة خبر (إن) ؛ بفتح الصاد المهملة وإسكان الفاء كناية عن التبايع؛ لأنَّهم كانوا يضربون بالأيدي عند عقد البيع، (بالأسواق) جمع: سوق يذكر ويؤنث، سمي به؛ لقيام الناس على سوقهم فيه.

(وإن إخواننا من الأنصار) : الأوس والخزرج أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله عليه السلام، ونصروه بأنفسهم وأموالهمرضي الله عنه، (كان يشغلهم العمل في أموالهم) يريد به الزراعة، وفي «مسلم» : (كان يشغلهم عمل أرضهم) ، وفي رواية: (كان يشغلهم على أراضيهم) ، (وإن أبا هريرة) عدل عن قوله: إني؛ لقصد الالتفات، وعند المؤلف في «البيوع» : (وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصفة) ، (كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم) من الملازمة، (بِشبَع) ؛ بكسر المعجمة وفتح الموحدة، وفي رواية: (لشبع) باللام، وكلاهما؛ أي: الموحدة واللام؛ للتعليل، وروي: (ليشبع) ؛ بلام كي، و (بشبع) ؛ بصورة المضارع المنصوب؛ أي: لأجل شبع، (بطنه) ؛ يعني: أنه كان يلازم قانعًا بالقوت لا مشتغلًا بالتجارة ولا بالزراعة رضي الله عنه.

(ويحضر ما لا يحضرون) ؛ أي: من أحوال النبي الأعظم عليه السلام، فيشاهد ما لا يشاهدون، (ويحفظ ما لا يحفظون) من أقواله عليه السلام، فيسمع ما لا يسمعون، فهذا إشارة إلى المسموعات، وذاك إلى المشاهدات.

لا يقال هذا الحديث يعارضه ما تقدم من حديث أبي هريرة: (ما من أصحاب النبي عليه السلام أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب) ؛ لأنَّا نقول: إن عبد الله كان أكثر تحملًاوأبو هريرة أكثر رواية.

فإن قلت: كيف يكون الأكثر تحملًا وهو داخل تحت عموم المهاجرن.

أجيب: هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها، وأبو هريرة أكثر من جهة السماع، والله أعلم.

ويؤخذ من الحديث: طلب حفظ العلم والمواظبة على طلبه.

وفيه: فضل أبي هريرة، وفيه طلب التقلل من الدنيا وفضله، وإيثار العلم على طلب المال.

وفيه: جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر وأمن الإعجاب، وجواز التجارة والزراعة، وجواز الاقتصار على الشبع، وفيه تفصيل:

فالأكل فرض: وهو ما يدفع به الهلاك عن نفسه.

ومندوب: وهو ما زاد ليتمكن من الصلاة قائمًا ويسهل الصوم.

ومباح: وهو ما يزاد على الشبع لزيادة قوة البدن.

وحرام: وهو الزائد عليه إلا لقصد التقوى على صوم الغد، أو لئلا يستحي الضيف الحاضر فلا بأس بأكله فوق الشبع لذلك، ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء العبادة المفروضة قائمًا، فلو على وجه لا يضعفه؛ فمباح ورياضة هذا مذهب إمامنا الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل، الذي غفر الله له ولمن اتبعه على مذهبه إلى يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت