[حديث: بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل]
74# وبه قال: (حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، (محمد بن غُرَير) ؛ بغين معجمة مضمومة، وراء مكررة، الأولى منهما مفتوحة، بينهما مثناة تحتية ساكنة، ابن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو عبد الله القرشي (الزهريِّ) المدني، نزيل سمرقند.
(قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد، أبو يوسف القرشي المدني الزهري، المتوفى ببغداد، سنة ثمان ومئتين في شوال، (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، (أبي) : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو يعقوب القرشي المدني الزهري، شيخ محمد بن إدريس الشافعي (عن صالح) بن كَيسان؛ بفتح الكاف، التابعي، المتوفى وهو ابن مئة ونيف وستين سنة، ابتدأ بالتعليم وهو ابن تسعين سنة، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (حدَّث) ، وفي رواية: (حدثه) ، (أنَّ عُبيد الله) ؛ بالتصغير، (ابن عبد الله) ؛ بالتكبير، ابن عُتبة (أخبره عن ابن عباس) عبد الله رضي الله عنه، (أنَّه تمارى) ؛ أي: تجادل وتنازع، (هو) ؛ أي: ابنُ عباس، (والحُرُّ) ؛ بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، (ابن قَيْس) ؛ بفتح القاف، وسكون التحتية، آخره مهملة، (ابن حِصْن) ؛ بكسر الحاء وسكون الصاد المهملتين، الصحابي (الفَزاري) ؛ بفتح الفاء، والزاي، ثم الراء، نسبةً إلى فزارة بن شيبان (في صاحب موسى) عليه السلام، هل هو الخَضِر أم غيره؟ (فقال ابن عباس) رضي الله عنهما: (هو خضر) ؛ بفتح أوله وكسر ثانيه، أو بكسر أوله وإسكان ثانيه،
[ص 49]
وإنَّما لم يُدخل على (خضر) آلة التعريف وفي الترجمة ذكره معرَّفًا مع أنَّه عَلَمٌ؛ لأنَّ بعض الأعلام دخول التعريف عليه لازم؛ نحو: النجم والثريا، وبعضها غير لازم؛ نحو: الحارث، والخضر من هذا القسم، والعَلَم إذا لُوحظ فيه معنى الوصف؛ يجوز إدخال التعريف عليه؛ كالعباس والحسن وغيرهما، ولم يذكر مقالة الحُرِّ بن قيس، قال بعضهم: لم أقف على شيءٍ من طرق هذا الحديث، قلت: مقالته قد تمت، وما بعدها إنَّما كان قول أُبيٍّ بحضور الحُرِّ بن قيس وعبد الله بن عباس، فالحديث مقالة الجميع؛ فافهم.
(فمر بهما) ؛ أي: بابن عباس والحُرِّ بن قيس (أُبيُّ بن كعب) ؛ أي: ابن المنذر الأنصاري، أقرأ هذه الأمة، المتوفى سنة تسع عشرة، وقيل: عشرين، وقيل: ثلاثين بالمدينة، كذا في «عمدة القاري» ، وفي خارج باب الشرقي [في] ديارنا الشامية قبةٌ مُهابةٌ وتحتَها قبرٌ جليلٌ عظيمٌ، المشهور عند العامَّة أنَّه أُبيُّ بن كعب، يُقصد بالزيارة، والدعاءُ عنده لا يُرَدُّ؛ فتأمَّل، (فدعاه) أي: ناداه (ابن عباس) رضي الله عنهما، وروي: (فمرَّ بهما أُبيُّ بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: يا أبا الطُّفيل؛ هلمَّ إلينا) ، (فقال: إنِّي تماريت) أي: اختلفتُ (أنا وصاحبي هذا) الحُرُّ بن قيس، وأتى بتأكيد المعطوف عليه بالضمير المنفصل؛ لتحسين العطف، ويجوز أن ينتصب على المفعول معه، (في صاحب موسى) عليه السلام (الذي سأل موسى) ربَّه، وزاد في رواية: (صلى الله عليه وسلم) (السبيل) ؛ أي: الطريق الموصل (إلى لُقِيِّه) ؛ بضم اللام، وكسر القاف، وتشديد المثناة التحتية؛ أي: إلى الاجتماع معه؛ حيث قال: (ادللني اللَّهُمَّ عليه) ، (هل سمعت النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟) جملة حالية، (قال) أُبيُّ بن كعب: (نعم؛ سمعت رسول الله) ، وفي رواية: (النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ، زاد في رواية: (يَذكر شأنَه) حالَ كونِه (يقول: بينما) بالميم (موسى) عليه السلام (في ملأ) بالقصر: الجماعة أو الأشراف (من بني إسرائيل) هم أولاد يعقوب عليه السلام؛ لأنَّ إسرائيل هو اسم يعقوب، وأولاده اثنا عشر؛ وهم: يوسف، وبنيامين، وداني، ويفتالي، وزابلون، وجاد، ويساخر، وأشير، وروبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، وهم الذين سماهم {الأسباط} [البقرة: 136] ، وسمُّوا بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحد منهم وَلد قبيلة، والأسباط في كلام العرب: الشجر الملتف [1] الكثير الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل؛ كالشعوب من العجم والقبائل من العرب، وجميع بني إسرائيل من هؤلاء المذكورين؛ (جاءه رجل) جواب (بينما) ، وفي رواية: (إذ جاءه رجل) ، والفصيح في جوابه ترك (إذ) و (إذا) ، قال بعضهم: لم أقف على تسمية الرجل، قلت: لعلَّه جبريل جاءه بصفة رجل، كما جاء لنبينا عليه السلام بصفة أعرابي؛ كما تقدَّم؛ فافهم، (فقال) لموسى عليه السلام: (هل تعلم أحدًا أعلم) بالنصب صفة لـ (أحد) (منك؟ قال) ، وفي رواية: (فقال) ، (موسى: لا) أعلم أحدًا أعلم مني، وجاء في (التفسير) : «فسأل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه» ؛ أي: عتب مخصوص، s) زاد الأصيلي: (عزَّ وجلَّ) (إلى موسى) عليه السلام: (بلَى) ؛ بفتح اللام، وفي رواية: (بل) ، وهي للإضراب؛ أي: أوحى الله إليه: لا تقل: لا؛ بل (عبدنا خضر) أعلم منك؛ أي: قل: الأعلم عبد خضر، وعلى هذه الرواية فالمناسب أن يقول: عبد الله أو عبدك، وأجيب: بأنَّه ورد على سبيل الحكاية عن الله تعالى، فموسى أعلم على الجملة، والعموم ممَّا لا يمكن جهل الأنبياء بشيء منه، والخضر أعلم على الخصوص ممَّا أُعلم من الغيوب وحوادث القدر ممَّا لا يعلمُ الأنبياءُ منه إلَّا ما أُعلموا من غيبه، ولهذا قال له الخضر: «إنَّك على علم من علم الله علَّمك لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه» ، وهذا مثلُ قول نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم: «إنِّي لا أعلم إلَّا ما علَّمني ربي» ، وإنما أُلجئ موسى للخضر؛ للتأديب لا للتعليم.
(فسأل موسى) عليه السلام (السبيل) أي: الطريق الموصل (إليه) ؛ أي: إلى الخضر، فقال: اللَّهُمَّ ادللني عليه، (فجعل الله له) أي: لأجله (الحوتَ) بالنصب مفعول (جعل) أول، والحوت: السمكة (آيةً) ؛ أي: علامة، بالنصب مفعول ثان، (وقيل له) : يا موسى؛ (إذا فقَدت) ؛ بفتح القاف؛ أي: لم تجد (الحوت؛ فارجع، فإنك ستلقاه) ، وذلك لمَّا قال موسى: أين أطلُبُه؟ قال تعالى له: على الساحل عند الصخرة، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتل، فحيث فقدتَه؛ فهو هناك، فقيل: أخذَ سمكةً مملوحة، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت؛ فأخبرني.
(وكان) وفي رواية: (فكان) (يتَّبع) ؛ بتشديد المثناة الفوقية (أثر الحوت في البحر) ؛ أي: ينتظر فقدانه، فرقد موسى عليه السلام، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، قيل: إنَّ يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، فلمَّا أصاب السمكة روح الماء وبرده؛ عاشت، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش ووقع في الماء، فاستيقظ موسى وطلب من يوشع الخبز والحوت؛ ليأكل منه.
(فقال لموسى فتاه) يوشع بن نون بن إليشامع بن عميهوذ بن بارص بن بعدان بن تاجن بن تالخ بن راشف بن رافح بن بريعا بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب عليه السلام، و (يُوشَع) ؛ بضم المثناة التحتية وفتح الشين المعجمة، و (نون) مصروف كنوح، وإنَّما قال: فتاه)؛ أي: صاحبه؛ لأنَّه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ عنه العلم: ( {أرأيت} ) ؛ أي: أخبرني، وهو مقول القول ( {إذ} ) بمعنى حين، وفيه حذفٌ؛ تقديره: أرأيت ما دهاني إذ ( {أوينا} ) أي: رقدنا ( {إلى الصخرة} ) ؛ الحجر الكبير، وهي التي دون نهر الزيت بالمغرب، ( {فإنِّي} ) الفاء تفسيرية ( {نسيت الحوت} ) ؛ أي: نسيت تفقده وما يكون منه، مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة من لقاء الخضر، ( {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} ) ؛ أي: وما أنساني ذكرَه إلَّا الشيطان، وإنَّما نسبه له؛ هضمًا لنفسه، فهو اعتذارٌ عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، أو دهش لمَّا رأى من الآيات الباهرة، ( {قال} ) أي: موسى: ( {ذلك} ) مبتدأ؛ أي: فقدان الحوت، وقوله: ( {ما كنا نبغي} ) خبره، و {ما} موصولة، و {كنا نبغي} صلتها؛ أي: ذلك الذي كنا نطلبه علامة على المقصود، ( {فارتدا} ) رجعا ( {على آثارهما} ) ؛ أي: من الطريق الذي سلكاه، يقصَّان ( {قَصصًا} ) بالنصب على المصدرية؛ أي: يتبعان آثارهما اتِّباعًا، ( {فوجدا} ) [الكهف: 63 - 64] (خضرًا) عليه السلام (فكان من شأنهما) أي: موسى والخضر (الذي قصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابه) ، وفي رواية: (ما قصَّ الله ... ) إلى آخره، من قوله: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ} إلى قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ} [الكهف: 66 - 83] .
وفي الحديث: جواز التماري في العلم من غير تعنُّت، وفيه: الرجوع إلى أهل العلم عند التنازع، وفيه: طلب العالم الزيادة من العلم، وفيه: ندب التواضع، وفيه: حمل الزاد وإعداده في السفر، وهو لا ينافي التوكل، خلافًا لمن نفاه، وفيه: قبول خبر الواحد الصدوق، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (الملتفت) ، وهو تحريف.