الذي انفتحت فيه أبواب الشياطين، وحيل بينه وبين أبواب الملائكة، فثارت فيه خواطر الهوى، فاستجاب الصدر لهذه الخواطر، فيقوى سلطان الشيطان، ويقبل الإنسان على متابعته، فيضعف سلطان الإيمان، ويخبو نور اليقين، إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم يملأ جوانب القلب، حتى تنطفئ أنواره، وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب، والى هذا يشير القرآن بقوله في سورة الفرقان:
«أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ، إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» (1) .
والقلب الثالث قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشر، فيدركه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر، فتقوى الشهوة، فينبعث العقل إلى خاطر الخير، ويقاوم الشهوة، فتميل النفس إلى نصح العقل، فيحمل الشيطان حملة على العقل، فيقوى داعي الهوى، ويزيّن للإنسان الإثم، فتميل النفس إلى الشيطان، فيحمل الملك حملة على الشيطان، فتميل النفس إلى جانب الخير، فلا يزال الإنسان يتردد بين الجانبين، إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به.
ولأطباء الارواح والقلوب جولتهم وصولتهم في عالم الحديث عن سلامة القلب وصلاحه، فهذا أبو الخير الأقطع يقول مثلا «لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية لله تعالى، ولن يصفو بدنك إلا بخدمة أولياء الله تعالى» . ويقول الجنيد: «ان الله تعالى يخلص إلى القلوب من بره، حسب ما
(1) سورة الفرقان، الآية 43 و 44.