هذا ولرجال التربية الروحية كلمات بليغة في فضيلة الحكمة، منها قول الفضيل بن عياض: «من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة» . وجعل يوسف بن حسين الرازي الحكمة إحدى المراحل الموصلة إلى رضى الله، فقال: «بالأدب تفهم العلم، وبالعلم يصح لك العمل، وبالعمل تنال الحكمة، وبالحكمة تفهم الزهد، وتوفق له، وبالزهد تترك الدنيا، وبترك الدنيا ترغب في الآخرة، وبالرغبة في الآخرة تنال رضى الله» . وقال الحارث المحاسبي: «أكثر شغل الحكيم فيما يوجبه عليه الوقت، والذي هو أولى به فيه» .
اللهم هبنا فضيلة الحكمة في ظل كتابك وهدي رسولك، يا نعم المولى ونعم النصير.
«الطيّب» كلمة تستعمل بمعنى الحلال، وبمعنى الطاهر، وبمعنى النظيف، والتطيب هو ازالة الخبث، والطيب في الأصل هو ما تستلذه الحواس والنفس، والطعام الطيب في الشرع هو ما كان متناولا من حيث ما يجوز، وبقدر ما يجوز، ومن المكان الذي يجوز، فإنه متى كان كذلك كان طيبا عاجلا وآجلا، والا فإنه - وإن كان طيبا عاجلا - لا يطيب آجلا. والطيب من الناس هو من تعرى من خبث الجهل والفسق وقبائح الاعمال، وتحلى بالعلم والإيمان ومحاسن الاعمال.
وطيب القول - أو طيب الحديث - فضيلة قرآنية جليلة الشأن، لأن المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا رزقه الله تعالى قلبا طاهر الاحساس، ولسانا طيب القول، فقد أوسع الله لعبده في الفضل والتوفيق، ولذلك يقول بعض الأئمة: «طيب الكلام من جليل عمل البر» ، وان الكلمة الطيبة تعمل في الإنسان عمل السحر، فتهدئ روعه، وتريح نفسه، وتدخل بالطمأنينة والانشراح على صدره. والتوفيق للنطق بالكلمة الطيبة هبة ربانية عظيمة الشأن، ولذلك يقول الناس: الكلمات هبات، ولا ريب في أن الكلام هو الترجمان والدليل والبرهان على عقل الإنسان وطويته، ولذلك قيل:
ان الكلام لفي الفؤاد، وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
ولقد حث القرآن المجيد على طيب الكلام في كثير من آياته، فقال في سورة آل عمران:
«وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (1) .
ويقول في سورة النحل:
«ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (2) .
ويقول في سورة فصلت:
«وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (3) .
ودعا القرآن الحكيم عباد الله إلى أن يحرصوا على القول الحسن والكلام الطيب، فقال في سورة الإسراء:
«وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطانَ
(1) سورة آل عمران، الآية 104.
(2) سورة النحل، الآية 125.
(3) سورة فصلت، الآية 33.