فقال له النبي: إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك. ففعل الرجل، وهنا قال النبي لأصحابه: إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه، فاتبعها الناس (أي جروا وراءها) فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحب الناقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها وأعلم، فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض (أي حشيشها) فردّها هونا هونا، حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها واستوى عليها؛ وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار.
وفي تاريخ عفو الرسول موقف لا ينسى ولا يبلى، فذلك يوم فتح الله عليه مكة، وانتصر على أعدائه الذين آذوه واضطهدوه وأخرجوه، فإنه قال لهم ما تظنون أني فاعل بكم؟. فأجابوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ولم يكتف القرآن الكريم بتعطير سيرة العفو فيه، ولا بطلبه من الرسول ليكون قدوة، بل طلبه أيضا من العباد. فقال تعالى في سورة النور: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ) .
هذا ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العفو: «ما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا» . وتابع ابن عباس خطوات الرسول فقال: «ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله عزا» . ومن القول المنسوب إلى معاوية: «إني لأستحيي من ربي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، أو جهل أكبر من حلمي، أو عورة لا أداريها بستري» ..
إن العفو خلق من أخلاق القرآن، فليحرص عليه أبناء القرآن، ليستحقوا عفو الرحمن.